DCSIMG
Skip Global Navigation to Main Content
النصوص

الوزيرة كلينتون تبرز أهمية المجتمع المدني للديمقراطية

كلمتها في كراكوفا، ببولندا، في اجتماع لمجتمع الديمقراطيات

07 تموز/يوليو 2010

وزارة الخارجية

مكتب المتحدث الرسمي

3 تموز/يوليو 2010

كلمة وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري رودام كلينتون

 في اجتماع "المجتمع المدني: دعم الديمقراطية في القرن الواحد والعشرين"

في مؤتمر مجتمع الديمقراطيات

3 تموز/يوليو، 2010

مسرح سلواكي

كراكوفا، بولندا

الوزيرة كلينتون: حسناً، يسعدني جداً أن أكون هنا معكم جميعاً وأشكر صديقي وزير الخارجية سيكورسكي، على استضافته لنا هنا في هذا المكان الرائع جدا، وعلى خطابه الممتاز الذي لخص ما هي الأجندة التي يجب ان تكون لدينا جميعاً نحن الأعضاء في مجتمع الديمقراطيات.

لقد بدأت فكرة جمع الدول الحرة معا لتعزيز المعايير والمؤسسات الديمقراطية كمشروع مشترك بين أحد أسلاف راديك وأحد أسلافي وهما: وزير الخارجية جيريميك ووزيرة الخارجية مادلين أولبرايت. وكانت لديهما رؤية قبل عشر سنوات. لقد كانت هذه الفكرة مبدئياً مشروعاً أميركياً-بولنديا. ولا أستطيع أن أفكر بمكان لنا للاحتفال بهذه المناسبة افضل من هذا المكان هنا في كراكوفا. فشكراً لك، مادلين، وشكراً لذكرى الراحل الوزير جيرميك. (تصفيق)

الوزيرة كلينتون: اعتقد أنكم سمعتم من وزير الخارجية سيكورسكي بعض الأسباب التي جعلت من بولندا نموذجاً يحتذى به لما تستطيع الديمقراطيات ان تحققه. فبعد أربعة عقود من الحرمان، والركود الاقتصادي، ومن الخوف في ظل النظام الشيوعي بزغ فجر الحرية. ولم تكن الحريات الشخصية التي أصبح الناس قادرون من جديد على المطالبة بها كملك لهم فحسب بل وأيضاً أصبح اليوم الناتج المحلي الإجمالي تسعة أضعاف ما كان عليه عام 1990، واستمر الاقتصاد البولندي في النمو في خضم ركود اقتصادي عالمي عميق.

وبموجب أي مقياس، أصبحت بولندا أقوى سياسياً أيضاً. وقد فُجعنا جميعا في نيسان/أبريل عندما أودى تحطم طائرة مدنية بحياة رئيس بولندا والسيدة الأولى والعديد من المسؤولين الآخرين في البلاد أيضاً. كان هذا الحادث واحداً من أفدح الخسائر الفردية على مستوى الزعامة، التي أصابت أي بلد في التاريخ الحديث. ولكن تقديراً للتطور السياسي لبولندا فإن مؤسسات البلد لم تتعثر أبداً في أعقاب ذلك الحادث. وسوف تمضي قدما غداً عملية التصويت لاختيار رئيس من خلال انتخابات حرة ونزيهة.

والآن، أود أن أؤكد بأن هذا التقدم لم يكن لا عَرَضياً ولا أمراً محتوماً. إنه تحقق عبر جيل من العمل لتحسين نظام الحكم، وتنمية القطاع الخاص، وتعزيز المجتمع المدني. هذه العناصر الأساسية الثلاث للدولة الحرة: الحكومة التمثيلية، والسوق الذي يعمل بشكل جيد، والمجتمع المدني، كلها تعمل كما تعمل ثلاث قوائم لكرسي بلا ظهر أو ذراعين. فهي ترفع وتدعم دولاً خلال سعيها إلى تحقيق معايير أعلى من التقدم والازدهار.

والآن، انني أول من يقر بأنه ليست هناك ديمقراطية كاملة. وبالفعل كان مؤسسو دولتنا أذكياء بدرجة كافية لأن يحتفظوا في وثائق تأسيس دولتنا بالفكرة القائلة بأن علينا ان نستمر في التقدم إلى الأمام نحو إنشاء اتحاد أكثر كمالاً. لأن الديمقراطيات، في النهاية، تعتمد على حكمة وحصافة رأي بشر غير كاملين لإدراكها. ولكن الديمقراطيات الحقيقية تدرك ضرورة وجود الكرسي الثلاثي القوائم، وتستطيع الديمقراطيات أن تعزز هذه الأقسام الثلاث للمجتمع وان تحقق نتائج استثنائية لشعوبها.

أود اليوم أن أركز على إحدى قوائم هذا الكرسي وهو: المجتمع المدني؛ حيث تحظى الآن، عادةً الأسواق والسياسات باهتمام أكبر. ولكن المجتمع المدني هو بذات الأهمية تماماً. فهو يدعم بقوة الحكم الديمقراطي والازدهار الذي يرتكز على قاعدة عريضة في نفس الوقت. بولندا هي في الواقع حالة دراسية حول كيف يتمكن مجتمع مدني نابض بالحياة ان يحقق التقدم. فأبطال حركة التضامن، أناس مثل جريميك، وليش فاليسا، وأدام ميشنيك، وملايين الآخرين وضعوا أسس بولندا التي نشاهدها هذا اليوم. فقد أدركوا ان أبناء الشعب البولندي يرغبون في ويستحق الحصول على المزيد من بلدهم، وحولوا ذلك الإدراك إلى واحدة من أعظم الحركات في التاريخ الساعية من أجل التغيير الإيجابي.

والآن، لا توجد حركة مجتمع مدني على مقياس حركة التضامن في كل دولة من الدول. ولكن لدى معظم البلدان مجموعة تضم ناشطين، ومنظمات، وجماعات، ومؤلفين، ومراسلين يعملون بواسطة الأساليب السلمية لتشجيع الحكومات على القيام بما هو أفضل، وعلى عمل ما هو أفضل بالنسبة لمواطنيها. وبالطبع، ليس كافة هذه المنظمات أو هؤلاء الأفراد فعالين بصورة متساوية وهم يمثلون في الواقع سلسلة واسعة من الآراء. وبما اني كنت أعمل في منظمة غير حكومية وقدت منظمات غير حكومية وشغلت مناصب في الحكومة، أعرف ان الأمر يكون شاقاً في بعض الأوقات للتعامل مع منظمات غير حكومية عندما تكون مسؤولاً في الحكومة.

ولكن لا يهم ما إذا كان الهدف إصدار قوانين افضل أو تخفيض مستويات الجريمة أو تأمين هواء أنظف أو عدالة اجتماعية أو حماية للمستهلكين او ريادة الأعمال والابتكار، فالمجتمعات تتحرك قُدماً عندما يكون المواطنون الذين يكونونها مفوضين بتحويل المصالح المشتركة إلى أعمال مشتركة تخدم الخير المشترك.

في الوقت الذي نجتمع فيه هنا في عشية الاحتفالات الأميركية بالرابع من تموز/يوليو، اليوم الذي نحتفل فيه بذكرى استقلالنا، أريد أن أقول كلمة حول السبب الذي يجعل مسألة المجتمع الأهلي بمثل هذه الأهمية للأميركيين. لقد كان استقلالنا نتاج مجتمعنا المدني. وسبق مجتمعنا المدني مجتمعنا السياسي. وفقط من خلال المناظرات، والمناقشات، والنشاط المدني تمكنت الولايات المتحدة من ترى النور وتخرج إلى الوجود. لقد كنا شعب قبل ان نكون دولة. ولم يساعد المجتمع المدني في قيام دولتنا فحسب بل وساعد أيضاً في إدامة وتقوية دولتنا للدخول إلى المستقبل. كان ممثلو المجتمع المدني هم أول من أدركوا ان المستعمرات الأميركية لا يمكن ان تستمر بدون حكم ديمقراطي. وبعد ان كسبنا استقلالنا كان الناشطون هم الذين ساعدوا في تأسيس ديمقراطيتنا، وهم الذين أدركوا بسرعة أنهم يشكلون جزءاً من كفاح أوسع نطاقاً لضمان حقوق الإنسان، ولحماية كرامة الإنسان، وتقدم الإنسان.

لعب المجتمع المدني دوراً أساسياً في تحديد المظالم والقضاء عليها، وهي التي كانت تفصل دولتنا على مدى تاريخنا عن المبادئ التي تأسست عليها. وكان المجتمع المدني، في نهاية المطاف، هو الذي أعطانا المطالبين بإلغاء العبودية، الذين حاربوا شرور الاستعباد والاسترقاق، والمناديات بمنح المرأة حق الاقتراع، والذين شاركوا في مسيرات الحرية للمطالبة بالمساواة العرقية، والنقابات العمالية التي ناصرت حقوق العمال، والمحافظون على البيئة الذين عملوا من أجل حماية كوكبنا ومناخنا.

لقد بدأت عملي المهني بالفعل في مجتمع مدني. فقد ساعدت المنظمة غير الحكومية التي عملت فيها، وهي صندوق حماية الأطفال، في توسيع فرص التعليم للأطفال الفقراء والأطفال المعوقين، وحاولت معالجة التحديات التي واجهت الشباب القابعين في السجون.

والآن، قد أكون أول من يقول بأن عملنا لم يؤد إلى تحويل، دولتنا ولم يعد صنع حكومتنا بين ليلة وضحاها. ولكنه عندما يتضاعف ذلك النوع من النشاط عبر بلد بكامله من خلال عمل المئات، بل وحتى الآلاف من المنظمات غير الحكومية، فإنه يولد تغييراً إيجابياً حقيقياً دائماً. وهكذا، فإن الالتزام بتعزيز المجتمع المدني كان أحد الثوابت لدي عبر مجمل حياتي المهنية العامة كسيدة أولى، وكعضو في مجلس الشيوخ، والآن كوزيرة خارجية. استطعت أن أعمل مع منظمات غير حكومية سلوفاكية نهضت وساعدت في آخر المطاف في إسقاط الحكومة الاستبدادية. لقد رأيت مجموعات من المجتمع المدني في الهند توفر فوائد التمكين الاقتصادي للنساء الأكثر تهميشاً في ذلك المجتمع. وقد راقبت بإعجاب مجموعة صغيرة من الناشطات في جنوب أفريقيا وهن يبدأن من لا شيء وينطلقن لبناء مجتمع أهلي يضم 50 ألف منزل.

يشاطر الرئيس أوباما هذا الالتزام. وبالنسبة له، فقد قاده هذا الالتزام لأن يصبح منظماً للمجتمع الأهلي في شيكاغو. كلانا انضم إلى العمل في المجتمع المدني لأننا آمنا انه عندما يدفع المواطنون الزعماء في الاتجاه الصحيح يزداد بلدنا قوة. تعتمد عظمة الولايات المتحدة على إرادتنا في البحث عن المجالات التي نقصر فيها وتصحيحها. وبالنسبة لنا ولكل بلد آخر، فإن المجتمع المدني يعتبر حاسم الأهمية لتحقيق التقدم السياسي والاقتصادي. وحتى في أكثر البيئات تحدياً يستطيع المجتمع المدني ان يساعد في تحسين الحياة وتمكين المواطنين.

وبالفعل أريد أن أشيد بناشطين موجودين اليوم هنا معنا، من أفغانستان وإيران. فإذا تفضلت فايزة باباكان وعفيفة عظيم بالوقوف، أود فقط أن أشكركما على شجاعتكما وإرادتكما في القدوم إلى هنا. (تصفيق).

الوزيرة كلينتون: والآن قد يبدو للبعض منا انه شيء جميل، ولكن ربما غير أساسي في أن تتواجد هنا امرأة واحدة فقط من كل بلد. ولكني أستطيع ان أتحدث استناداً إلى التجربة الشخصية انه بقدر أهمية المجتمع المدني للديمقراطية، فالنساء ضروريات للمجتمع المدني. وتتحدث هاتان السيدات نيابة عن العديدات اللواتي لم تتسن لهن أبداً الفرصة لإسماع أصواتهن.

وهكذا، فإن التقدم في القرن الواحد والعشرين يتعمد، إلى جانب وجود أسواق تعمل بصورة جيدة ومسؤولة، ووجود حكومة تخضع للمساءلة، على قدرة الأفراد في التجمع حول أهداف مشتركة وتسخير قوة قناعاتهم. ولكن عندما تضرب الحكومات حق المواطنين في العمل المشترك، كما كانت تفعل عبر التاريخ، تسقط المجتمعات في هوة الركود والانحطاط.

كوريا الشمالية، دولة لا تستطيع حتى إطعام شعبها، حرّمت قيام كافة المجتمعات المدنية. وكما قال راديك، ففي كوبا وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، يعمل المجتمع المدني تحت ضغوط هائلة. أدارت حكومة إيران ظهرها تجاه التقليد الغني للمجتمع المدني، وترتكب باستمرار انتهاكات لحقوق الإنسان ضد العديد من الناشطين والمواطنين العاديين الذين أرادوا الحصول على حق المجاهرة بأصواتهم.

وهناك أيضاً مجموعة أوسع من البلدان التي تقام فيها الأسوار لتضييق الخناق على المنظمات المدنية. وعلى مدى السنوات الست الماضية، فرضت 50 حكومة قيودا جديدة على منظمات غير حكومية، ولائحة البلدان هذه التي يواجه فيها المجتمع المدني معارضة تزداد طولاً. ففي زيمبابوى، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، استخدم العنف الجسدي ضد ناشطين فرديين لتخويف وإسكات قطاعات كاملة من المجتمع المدني. وفي السنة الماضية فرضت أثيوبيا سلسلة من الأنظمة الجديدة الصارمة على المنظمات غير الحكومية. ولم تتمكن سوى مجموعة قليلة العدد للغاية من إعادة تسجيل نشاطاتها بموجب إطار العمل الجديد، وبصورة خاصة المنظمات التي تناصر مسائل حساسة كحقوق الإنسان. ويعتبر الشرق الأوسط وشمال أفريقيا موطناً لجماعات متنوعة من مجموعات المجتمع المدني غير أن العديد من الحكومات في المنطقة تلجأ إلى وسيلة التخويف، والممارسات القانونية المشكوك بأمرها، وتفرض قيودا على تسجيل عمل المنظمات غير الحكومية وتمارس جهوداً لإسكات المدونين الإلكترونيين.

ويحدوني الأمل في أن نستطيع ان نرى تقدماً يحرز حول هذه المسألة، ولا سيما في مصر حيث يتعرض المجتمع المدني النابض بالحياة في ذلك البلد في أحيان كثيرة إلى ضغوط حكومية اتخذت شكل إلغاء مؤتمرات، ومضايقات هاتفية، وتذكيرات متكررة أن بإمكان الحكومة ان تغلق أبواب منظمات، وحتى الاحتجاز والسجن لفترات طويلة والنفي من البلاد.

وفي بلدان آسيا الوسطى، تكفل الدساتير بالفعل حق التجمع. ولكن الحكومات تفرض قيودا مرهقة على نشاط المنظمات غير الحكومية، تكون في أغلب الأحيان من خلال إصدار قوانين او فرض شروط تسجيل متشددة. وقد حاول زعماء فنزويلا إسكات أصوات مستقلة تسعى إلى إخضاع الحكومة إلى المساءلة. وفي روسيا، في حين اننا نرحب ببيانات الرئيس مدفيديف التي تدعم حكم القانون فقد تم استهداف ناشطين وصحفيين في حقل حقوق لإنسان للاغتيال، وبالفعل لم تحل أي من هذه الجرائم.

إننا مستمرون في الانخراط حول مسائل المجتمع المدني مع الصين، حيث يقضي الكاتب ليوكسياوبو فترة سجن لمدة 11 سنة لأنه شارك في إصدار وثيقة تدعو إلى احترام حقوق الإنسان والإصلاح الديمقراطي. وتنظر حكومات عديدة جداً إلى الناشطين المدنيين على أنهم أعداء بدلاً من ان تنظر إليهم باعتبارهم شركاء. وكديمقراطيات، علينا ان ندرك بأن هذا الاتجاه يحدث على خلفية أوسع.

تكررت في القرن العشرين حملات القمع ضد المجتمع المدني تحت ذريعة الأيديولوجية. فمنذ انهيار الشيوعية، يبدو ان معظم هذه الإجراءات تتم بفعل القوة السياسية البحتة. ولكن هناك فكرة خلف هذه الأعمال، مفهوم بديل حول الطريقة التي يجب تنظيم المجتمعات بموجبها، وهي الفكرة التي يتوجب على الديمقراطيات أن تتحداها. إنها الاعتقاد بوجوب خضوع الناس لحكوماتهم بدلاً من وجوب خضوع الحكومات لأبناء الشعوب.

والآن، لا تمنع هذه الفكرة بالضرورة المواطنين من تشكيل مجموعات تساعد مجتمعاتهم الأهلية أو تعزز ثقافتهم أو حتى تدعم قضايا سياسية. ولكنها تتطلب ان تسعى هذه المنظمات الخاصة للحصول على موافقة الدولة، وتخدم الدول والأجندة الأكبر لقيادات هذه الدول.

فكروا للحظة حول الناشطين في المجتمع المدني حول العالم الذين جرت مؤخراً مضايقتهم، ورقابتهم، وإلقاء القبض عليهم، ومحاكمتهم، وحتى قتلهم. لماذا يثيرون مثل هذا الاضطهاد ضدهم؟

لم يكن بعضهم منخرطين في العمل السياسي على الإطلاق، ولم يحاول بعضهم تغيير طريقة الحكم في بلادهم. معظمهم كان ببساطة يقدم المساعدة إلى أناس يحتاجون إلى مثل هذه المساعدة، مثل الناشطين البورميين الذين سجنوا بسبب تنظيم حملات إغاثة لضحايا الإعصار نارجيس. بعضهم كان يكشف مشاكل كمشاكل الفساد التي كانت حكوماتهم بالذات تدعي بأنها تريد استئصالها. لم يكن ذنبهم هو بالضبط ما قاموا به بل لأنهم فعلوا ذلك بصورة مستقلة عن حكومتهم. انطلقوا لعمل ما قد يمكن تسميته بأعمال صالحة، ولكنهم كانوا يقومون بها بدون إذن. إن رفض السماح للناس بفرصة تنظيم صفوفهم لدعم قضية أكبر من أنفسهم، ولكن بصورة منفصلة عن الدولة، يمثل اعتداءً على إحدى قيمنا الديمقراطية الأساسية.

فكرة التعددية متممة لفهمنا ما تعنيه ان يكون أي بلد ديمقراطياً. تدرك الديمقراطيات بأن لا هيئة، لا دولة، لا حزب سياسي، ولا زعيم، سوف يملك كافة الأجوبة للتحديات التي نواجهها. واعتماداً على ظروفهم وتقاليدهم يحتاج الناس إلى نطاق للتحرك الحر من أجل العمل نحو حلولهم الخاصة واختيارها. فديمقراطياتنا لا تتشابه ويجب ان لا تتشابه. فالحكومات التي من الشعب، من أجل الشعب، وللشعب سوف تتشابه مع الشعب الذي تمثله. ولكننا ندرك جميعاً حقيقة وأهمية هذه الاختلافات. وتنبع التعددية من هذه الاختلافات ولأن الإجراءات الصارمة ضد المنظمات غير الحكومية تعتبر تهديداً مباشراً للتعددية فهي أيضاً تعرّض الديمقراطية للخطر.

فقبل أكثر من 60 سنة جاء ونستون تشرشل إلى الولايات المتحدة لتحذير الديمقراطيات في العالم بأن ستاراً حديدياً بدأ ينسدل عبر أوروبا. واليوم عرفاناً بالجميل، عرفاناً بجميل البعض منكم الموجودين في هذه القاعة انهار هذا الستار الحديدي. ولكن علينا ان نبقى حذرين من الملزمة الفولاذية التي بدأت تستعملها حكومات عديدة للتحطيم البطيء للمجتمع المدني وللروح الإنسانية.

واليوم، في اجتماعنا سوية كمجتمع للديمقراطيات، تتمثل مسؤوليتنا بمعالجة هذه الأزمة. لا زالت بعض البلدان المنخرطة في مثل هذه التصرفات تدعي بأنها ديمقراطيات لأن لديها انتخابات. ولكن، كما قلت سابقاً، تحتاج الديمقراطية إلى أكثر من عملية انتخاب. يجب ان يلتزم طوال 365 يوماً في السنة، الحكومة والمواطنون على حدٍ سواء بالقيم الأساسية للديمقراطية وان يقبلوا تحمّل مسؤوليات الحكم الذاتي.

لا تخشى الديمقراطيات من شعبها. فهي تدرك بأنه يجب ان يكون المواطنون أحراراً في التجمع معا للتعبير عن المناصرة وإثارة الرأي العام، لتذكير الذين ائتمنوا على الحكم بأن عليهم ان يستمدوا سلطتهم من المحكومين. والقيود التي تُفرَض على هذه الحقوق إنما تظهر فقط خوف الحكام غير الشرعيين، تظهر جبن الذين ينكرون على مواطنيهم الحمايات التي يستحقونها. فالهجوم على النشاط المدني والمجتمع المدني هو هجوم على الديمقراطية.

والآن، في بعض الأحيان أفكر بأن الزعماء الذين ينخرطون في مثل هذه الأعمال يعتقدون بالفعل انهم يعملون لتأمين افضل مصالح بلدهم. ولكنهم يبدأون بتضخيم مصالحهم السياسية الخاصة بهم، ومصالح ذلك البلد، ويبدأون بالاعتقاد بأن عليهم البقاء في منصبهم بأي وسيلة لازمة لأنهم الوحيدون الذين يستطيعون حماية بلدهم من كافة أشكال الخطر.

إن الإدراك بأن السلطة السياسية يجب انتقالها، يُشكِّل جزءاً مما هو مطلوب لأن يكون البلد ديمقراطي حقاً. كما انه رغم كثافة الانتخابات وحدتها، وبعد أن تنتهي الانتخابات، يجب على من يتم انتخابه بإنصاف وبحرية ان يحاول توحيد البلاد، رغم الانقسامات السياسية.

لقد اشتركت في سباق شاق جداً ضد الرئيس أوباما، حاولت بكل قوتي ان أهزمه، ولكني لم أنجح. وعندما فاز في الانتخابات، ولدهشتي العظيمة، طلب مني الانضمام إلى حكومته للعمل كوزيرة للخارجية. حسناً، في العديد من البلدان، كما تعلمت منذ بدأت القيام برحلاتي، ان ذلك كان مسألة تثير الكثير من الفضول. كيف يمكنني أن اعمل مع شخص حاولت أن أحرمه من المنصب الذي يحتله الآن؟ ولكن كان الجواب بالنسبة للرئيس أوباما ولي شخصياً بسيطا للغاية. كلانا نحب بلدنا والسياسة هي جزء مهم من حياة البلد الديمقراطي. ولكن إدارة الحكم، وتغيير حياة الناس إلى الأفضل، هو المقصد الذي يسعى إلى تحقيقه من يرشح نفسه للمنصب.

يجب علينا في مجتمع الديمقراطيات أن نبدأ بطرح الأسئلة الصعبة، حول ما إذا كان من الممكن فعلاً أن تسمي نفسها ديمقراطيات البلدان التي تتبع نموذج الدول الاستبدادية وتشارك في الاعتداء على المجتمع المدني.ومن أجل مواجهة هذا التحدي يجب ان ترص مجموعات المجتمع المدني والحكومات الديمقراطية صفوفها حول نفس الأهداف المشتركة، ولقد باشر مجتمع الديمقراطيات بالفعل في جمع حكومات ومنظمات المجتمع المدني معا، وبعضها ممثلة هنا. وهو مؤهل جداً لقيادة هذه الجهود. أعرف أن مجموعة العمل في مجتمع الديمقراطيات حول تمكين وحماية المجتمع المدني تعمل حالياً بالفعل على تحويل هذه الرؤيا إلى واقع. وتتعهد الولايات المتحدة بالعمل مع هذا المجتمع من أجل تطوير مبادرات تدعم المجتمع المدني وتعزز الحكومات الملتزمة بالديمقراطية.

وأعتقد أنه مع قيادة ودعم بلدان مثل ليتوانيا، بولندا، كندا، ومنغوليا بأن الذكرى العشرين لولادة مجتمع الديمقراطيات يمكن ان تكون احتفالاً بالقوة المتوسعة للمجتمع المدني والتثبيت المؤسساتي الحقيقي للعادات الجوهرية التي تستند إليها الديمقراطية. ولجعل هذا الأمر يحدث، اعتقد بأن جهودنا المشتركة يجب ان تتضمن أربعة عناصر على الأقل.

أولاً: يجب ان يعمل مجتمع الديمقراطيات، كما أوصى راديك، على ترسيخ هدف يكون بمثابة آلية مستقلة لرصد الإجراءات القمعية التي تمارس ضد المنظمات غير الحكومية.

ثانياً: يجب ان يعمل مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة المزيد من اجل حماية المجتمع المدني، فحرية الاجتماع هي الحرية الوحيدة المحددة في إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان التي لا تتمتع بعناية معينة من آلية حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. يجب ان يتغير ذلك.

ثالثاً: سوف نعمل سوية مع منظمات إقليمية ومنظمات أخرى مثل منظمة الدول الأميركية (OAS)، والاتحاد الأوروبي، ومنظمة المؤتمر الإسلامي (OIC)، والاتحاد الأفريقي، والجامعة العربية وغيرها بجهد أكبر للدفاع عن حرية التجمّع. فالعديد من هذه المجموعات ملتزمة بمناصرة المبادئ الديمقراطية على الورق، ولكن يجب علينا ان نتأكد من ان الأقوال تنسجم مع الأفعال.

ورابعاً: يجب ان ننسق ضغطنا الدبلوماسي. إنني أعرف ان مجموعة العمل في مجتمع الديمقراطيات تركز اهتمامها حاليا على تطوير آلية استجابة سريعة لمعالجة الحالات التي تتعرض فيها حرية الاجتماع إلى هجوم. حسناً، لا يمكن ان يحصل ذلك بالسرعة الكافية التي نرغب بها. لكن عندما تتعرض منظمات غير حكومية للتهديد يجب ان نؤمن لها الحماية حيثما نستطيع وأن نضخّم أصوات النشطاء بالاجتماع بهم علنا في الوطن وفي خارجه، وان ننوه بعملهم في ما نقوله ونفعله. يمكننا أيضاً تقديم التدريب الفني الذي يساعد الناشطين في استعمال الأساليب التكنولوجية الجديدة، كالشبكات الاجتماعية، مثلاً، وعند الإمكان، يجب أيضاً ان نعمل سوية لتزويد المنظمات الجديدة بالدعم المالي لتعزيز جهودها.

والآن، هناك بعض الأفكار الخاطئة حول هذه المسألة، وأود ان أتطرق إليها. في الولايات المتحدة كما في ديمقراطيات أخرى عديدة يعتبر تصرفا قانونيا ومقبولا قيام المنظمات الخاصة بجمع الأموال من الخارج وتلقّي المنح من حكومات أجنبية، طالما لا تشمل نشاطاتها مصادر ممنوعة بالتحديد، كالجماعات الإرهابية. فلا تحتاج المنظمات المدنية في بلادنا إلى موافقة حكومة الولايات المتحدة لتلقي أموال من الخارج. كما ان هناك منظمات غير حكومية أجنبية ناشطة داخل الولايات المتحدة. نرحب بهذه المجموعات إيماناً منا بأنها تجعل دولتنا أقوى وتعمق العلاقات بين أميركا وبقية العالم. وبهذه الروح بالذات تقدم الولايات المتحدة المال إلى منظمات أجنبية في المجتمع المدني تنخرط في أعمال ذات شأن في بلدانها. وسوف نستمر في اتباع هذه الممارسة، ونود ان نفعل أكثر من هذا القبيل بمشاركة ديمقراطيات أخرى.

وكجزء متمم لهذا الالتزام، أعلن اليوم إنشاء صندوق جديد لدعم عمل المنظمات غير الحكومية المستهدفة. نأمل بأن يتم استعمال أموال هذا الصندوق لتوفير التمثيل القانوني، وتكنولوجيا الاتصالات كالهواتف الخليوية ووسائل الوصول إلى الإنترنت، وغير ذلك من أشكال الدعم السريع إلى منظمات غير حكومية تحت الحصار. وسوف تساهم الولايات المتحدة بمبلغ مليوني دولار في هذا الجهد، ونرحب بمشاركات ومساهمات من بلدان لها تفكير مماثل، كما من منظمات خاصة لا تبغي الربح.

اضطهاد الناشطين في المجتمع المدني وفي المنظمات، أكانوا يكافحون من اجل تحقيق العدالة ونشر القانون، او من أجل تشكيل حكومة نظيفة ومفتوحة، او من أجل الصحة العامة، او من اجل تأمين بيئة آمنة، او من اجل إجراء انتخابات نزيهة ليس اعتداء فقط على أناس نعجب بأعمالهم، انه اعتداء ضد معتقداتنا الأساسية. ولذلك عندما ندافع عن هؤلاء الناس العظام، نكون ندافع عن فكرة كانت ولا تزال أساسية لنجاح كل ديمقراطية. وهكذا، فالرهانات القائمة عالية بالنسبة لنا وليس فقط لهم.

بالنسبة للولايات المتحدة فإن دعم مجموعات المجتمع المدني يُشكِّل جزءاً هاما من عملنا لضمان تقدم الديمقراطية، ولكنه ليس الجزء الوحيد. إذ تشدد استراتيجية أمننا القومي التأكيد على ان القيم الديمقراطية هي حجر الزاوية في سياستنا الخارجية. ومع مرور الزمن، وكما قال الرئيس أوباما، كانت القيم الأميركية افضل موجودات أمننا القومي. لقد شددت على هذه النقطة في كانون الأول/ديسمبر وفي كانون الثاني/يناير عندما ألقيت خطاباتي حول حقوق الإنسان وحرية الإنترنت. وهي مبدأ توجيهي اتبعه في كل اجتماع أعقده وفي كل دولة أقوم بزيارتها.

ورحلتي الحالية مثال جيد. لقد جئت للتو من أوكرانيا حيث سنحت لي الفرصة لا لمقابلة وزير الخارجية ورئيس البلاد وحسب، بل وأيضاً مقابلة مجموعة مدهشة من الطلاب الأوكرانيين اللامعين الشباب الذين ناقشت معهم أهمية حرية وسائل الإعلام، وأهمية حرية التجمع، وأهمية حقوق الإنسان. وسوف أغادر هذه الليلة إلى أذربيجان حيث سألتقي مع ناشطين شباب لمناقشة حرية الإنترنت، ولإثارة مسألة المدونين الاثنين المسجونين ومناقشة الحريات المدنية. من هناك سوف أتوجه إلى أرمينيا وجورجيا حيث سأثير أيضاً بصورة مماثلة هذه المسائل، وأجلس مع قادة من مجموعات نسائية ومن منظمات غير حكومية أخرى. هذا ما يجب علينا جميعاً أن نفعله، يوماً بعد يوم حول العالم.

لذلك دعوني أعود للكرسي ذي الثلاث قوائم. المجتمع المدني مهم بحد ذاته ولمصلحته. ولكنه يساعد أيضاً في دعم وتثبيت القوائم الأخرى للكرسي، وهي الحكومات والأسواق. فبدون عمل ناشطين في المجتمع المدني وإجراء مناقشات سياسية تعددية، تصبح الحكومات هشة يسهل كسرها وحتى قلبها. وبدون المدافعين عن المستهلكين، والنقابات، والمنظمات الاجتماعية الأهلية التي تلبي حاجات الأعضاء الأضعف في المجتمعات، تستطيع الأسواق ان تسير على هواها وان تفشل في توليد ازدهار ذي قاعدة عريضة.

إننا ننظر إلى هذه القوائم الثلاث للكرسي على أنها حيوية للتقدم في القرن الواحد والعشرين. ولذا سوف نستمر في إثارة مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان على أعلى المستويات في اتصالاتنا مع الحكومات الأجنبية، وسوف نستمر في تأمين الانفتاح الاقتصادي والمنافسة الاقتصادية كوسيلة لنشر ازدهار عريض القاعدة ودعم حكومات تمثيلية تعرف ان عليها ان تولد نتائج لصالح الديمقراطية.

ولكننا نؤمن أيضاً بأن المبادئ التي جعلتنا نجتمع هنا سوية تمثل الأمل الأكثر إشراقاً للإنسانية في مستقبل أفضل. وكما كتب وزير الخارجية جيرميك في دعوته لحضور المؤتمر الافتتاحي لمجتمع الديمقراطيات قبل عشر سنوات قائلا إنه "بغض النظر عن المشاكل الملازمة التي لا يمكن فصلها عن الديمقراطية، فهي نظام يلبي بأفضل شكل تطلعات الأفراد، والمجتمعات، وشعوب بكاملها، ويلبي بشكل كامل حاجاتهم في التنمية، والتمكين، والإبداع."

وهكذا، في نهاية المطاف، فإن عملنا على هذه المسائل يتعلق بنوع المستقبل الذي نريد ان نخلفه لأبنائنا ولأحفادنا. وأي فرد يشك في صحة ذلك عليه ان ينظر إلى بولندا. فالعالم الذي تعيش فيه اكثر انفتاحاً، وأكثر أماناً، وأكثر ازدهاراً بسبب أفراد مثل ليخ فاونسا، وآدم ميشنيك وآخرين عملوا من خلال حركة التضامن لتحسين الظروف في بلدهم، والذين يقفون دفاعا عن الحرية والديمقراطية.

أفكر في أحيان كثيرة بالدور الذي يؤديه الصحفيون. يتعرض الصحفيون إلى ضغوط هائلة ولكن صحفياً مثل جيرسي تاروفيتش، ابن مدينة كراكوف، طرح أسئلة محرجة تتحدى بولندا وتطالبها بأن تفعل أفضل. والبابا يوحنا بولس الثاني، كما كان يمكن أن يقول ستالين، لم يكن يملك أية ألوية عسكرية، ولكنه حشد السلطة الأخلاقية التي كانت لها قوة أي جيش. لقد ورثنا جميعا هذا الإرث من الشجاعة واصبح العمل الآن ملقى على عاتقنا.

في كل رابع من تموز/يوليو يؤكد الأميركيون إيمانهم بأن كافة بني البشر خلقوا متساوين، بأن خالقنا منحنا حقوقاً لا يمكن التنازل عنها: الحياة، والحرية، والسعي نحو تحقيق السعادة. واليوم، دعونا، كمجتمع للديمقراطيات، نجعل مهمتنا تأمين هذه الحقوق. فنحن ندين لأسلافنا وندين لأجيال المستقبل، بالاستمرار في الكفاح من أجل هذه المثل العليا.

وشكراً لكم جميعاً.

(تصفيق)