DCSIMG
Skip Global Navigation to Main Content
المطبوعات

المياه + الصحة= الحياة

الإدارة الذكية للموارد المائية تنقذ الأرواح

18 تموز/يوليو 2011

بقلم جيمي بارترام وباربره والاس

"المياه القذرة لا يمكن غسلها"

مثل شعبي شائع في غرب أفريقيا

تّم إدراك أهمية توفر المياه للصحة عبر جميع الحضارات ومنذ آلاف السنين، وهي تبقى بنفس الأهمية في القرن الحادي والعشرين كما كانت في روما القديمة، عندما قال بليني الأكبر: في المياه توجد الصحة. ووفقا لمنظمة الصحة العالمية، لو أن البشرية جمعاء بادرت بإدارة مواردها المائية بشكل صحيح، وضمنت حصول كل إنسان على إمداد موثوق من المياه الصالحة للشرب ومرافق أساسية للصرف الصحي، وجعلت الممارسات الصحية الأساسية هي القاعدة، لتمكنا من إنقاذ حياة حوالي 1.8 مليون إنسان سنويا – وبشكل رئيسي حياة الأطفال الصغار.

وقائمة الأمراض التي نستطيع منعها لا بد لها من أن تثير الإعجاب عندما نقرأها. فبعض أعظم أمراض العالم مدرجة في القائمة، ويتصدرها مرض الإسهال الشديد الذي يقتل الأطفال بنسبة اكبر من فيروس نقص المناعة المكتسب/الإيدز، والسل، والملاريا مجتمعة. وتشمل أمراض الإسهال الأمراض المتفشية القاتلة مثل التيفوئيد، والكوليرا، والزحار أو الدوسنطاريا. يعمل الإسهال ضمن حلقة مفرغة مع سوء التغذية، الأمر الذي يؤدي إلى وفاة العديد من الأطفال الذين ضعفت أجسامهم بسبب الإصابات المتكررة بالإسهال.

أما الأمراض الأخرى المدرجة في القائمة فلا يمكننا تذكرها بسهولة. التراخوما هي السبب الأول الرئيسي في العالم للعمى الممكن الوقاية منه. ويمكن منعها من خلال اتباع نظام بسيط للغسل واستخدام المراحيض، لأن الذباب الذي ينقل بكتيريا "الكلاميديا ​​تراكوماتيس" التي تسبب المرض تتكاثر في النفايات البشرية. والبلهارسيا، هي مرض طفيلي يصيب 200 مليون إنسان في جميع أنحاء العالم، ونصفهم في أفريقيا. وهي ثاني الأمراض الطفيلية الأكثر تدميرا اجتماعيا واقتصاديا بعد الملاريا، ولكن طفيليات البلهارسيا التي تنقل هذا المرض تتطلب نفايات بشرية لتنتقل إلى البحيرات (يمكن الوقاية منها من خلال تحسين الصرف الصحي)، بحيث تعدي أنواعا معينة من الحلزون (يمكن السيطرة عليها من خلال تحسين إدارة الموارد المائية) ثم تعدي الإنسان من خلال يرقات الطفيليات التي تحفر خلال الجلد المغمور بالمياه (يمكن الوقاية منها عن طريق تقليل التلامس مع المياه الملوثة خلال السباحة، أو العمل في المياه، أو جمع المياه لنقلها إلى المنزل).

ويواجه أيضاً المثل الشاءع: "في المياه توجد الصحة" بعض التحديات الصعبة في القرن الحادي والعشرين. فالمباني الدافئة والمواد الحديثة تسمح لبعض أنواع البكتيريا بالنمو في شبكات المياه. وعادة لا يجد هؤلاء السكان الطبيعيون في البيئات المائية سوى القليل من الاهتمام من الأخصائيين الصحيين، ولكن بعضهم يشكل عناوين أخبار شهيرة. في تموز/يوليو 1976، قيل إن سبب الوفيات بين مجموعة من المحاربين الأميركيين المتقاعدين يعود إلى أنواع من البكتيريا غير المعروفة أطلق عليها لاحقاً اسم "داء المحاربين القدامى" (Legionella pneumophila). ومنذ ذلك الحين، تم التعرف على المئات من حالات تفشي هذا المرض، مما يؤثر على ما يصل إلى 18 ألف إنسان سنويا في الولايات المتحدة وحدها. يتم التعرف أيضاً على مخاطر أخرى من الحشرات التي تنمو في المياه. يأتي بعضها من ابتلاع المياه، والبعض الآخر من خلال اللمس، وغيرها عن طريق الاستنشاق- على سبيل المثال، تنفس بخار المياه الملوثة خلال الاستحمام.

وكلما استخدمنا طرقاً أكثر إتقانا وتطورا لإدارة المياه - أشياء مثل مكيفات الهواء المبردة بالمياه، والعروض المائية ، والأجهزة الموصولة بالأنابيب الصحية وشبكات المياه الضخمة في المباني الكبيرة – فإن الاحتمال يزداد بأن تسير الأمور على نحو خاطئ. حتى الطرق المتطورة التي نعالج بها المياه الآن لضمان سلامتها لا تخلو من المخاطر. فان عمليات معالجة المياه، مثل تحلية المياه، تزيل الكائنات المجهرية والمواد الكيميائية السامة، ولكنها أيضا تزيل جميع المعادن تقريباً. يستكشف أحد الأبحاث المثيرة للاهتمام ما إذا كان تخفيض هذه المعادن في نظامنا الغذائي قد يسيء لنا- حيث يتركز معظم القلق حول الآثار المحتملة على صحة القلب والأوعية الدموية.

يبدو أن التوصل إلى تحقيق المثل الشائع: "الصحة موجودة في المياه" يشكل هدفاً أساسياً للغاية. وبالتأكيد تحتاج البلدان أولاً إلى إدارة الموارد المائية بشكل صحيح، وضمان تمكين وصول كل فرد الى إمداد موثوق للمياه الصالحة للشرب، ومرافق الصرف الصحي الأساسية، وغسل اليدين. لقد تعاملت بعض البلدان بطريقة فعالة مع هذا التحدي منذ عقود. فلماذا إذاً لا تزال المياه تشكل هذه المشكلة الصحية الأساسية في مختلف أنحاء العالم؟ الإحصائيات صارخة: وبالأرقام التقريبية، لدى حوالي نصف الأسر في العالم فقط مياه جارية أو مرحاض بسيط. ومن الصعب أن نتصور تحقيق تقدم حقيقي من دون هذين المرفقين الأساسيين. والصورة في المستقبل لا تبدو مشرقة. فإذا أخذنا في الاعتبار المعدل الحالي للتقدم، سيكون هناك في عام 2015 أكثر من 1.5 بليون إنسان يعيشون في منازل من دون مياه جارية أو مرحاض آمن.

المزيد من الشيء نفسه ليس هو الحل

إذاً، هل ان الحل هو ببساطة القيام بالمزيد من نفس الشيء - ولكن بشكل أسرع؟ حفر الآبار وبناء المراحيض، وتركيب شبكات إمداد المياه الجارية وإنشاء المجاري الصحية؟ من الأرجح أن الجواب هو لا.

تظهر التجربة أن الناس لا يقدرون المشاريع التي لا مصلحة لهم فيها - الأمر الذي يؤدي إلى تعطلها وفشلها باكراً. وبالتالي فإن الجهود التي تبذلها العديد من المؤسسات الخيرية والمؤسسات الأهلية لحفر الآبار في القرى الريفية، على سبيل المثال، لا تساعد بقدر ما ينبغي - حوالي 48 في المئة من الآبار في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى تكون عاطلة عن العمل في أي وقت واحد. وفي الواقع، ستكون الكلفة اقل والفعالية أعلى لتحسين عملية التشغيل والصيانة البسيطة للبنية التحتية القائمة من بناء المزيد منها، على الرغم من ان هذه المهمة لا تسترعي الاهتمام كثيراًً ولا تسنح الفرصة لالتقاط الصور الدعائية مثل افتتاح منشأة جديدة. والأكثر من ذلك، إن الفائدة الحقيقية للأسر في تحسين بئر للمجتمعات الأهلية قد لا يضيف الكثير. فإذا لم تكن البئر الجديدة أقرب بكثير إلى المنزل من مصدر المياه التقليدية، فإنه قد يبقى يعني المشي لمسافة طويلة عدة مرات في اليوم لنقل المياه، وسلب الوقت من وقت العمل أو المدرسة (وعادة) بالنسبة للنساء والأطفال. حتى ولو كانت البئر الجديدة مبنية بشكل صحيح، تشير الأدلة إلى أن المياه تصبح عادة ملوثة خلال الوقت الذي تستهلك فيها.

وحل مشكلة الصرف الصحي ليس أكثر سهولة من حل لغز مياه الشرب. فبالنسبة لكثير من الناس الذين يعيشون في الدول المتطورة، فإن المرحاض المزود بخزان مياه الشطف هو شيء مألوف جداً ومن الصعب تخيل أي بديل آخر للصرف الصحي. ولكنها مجرد مصادفة تاريخية - ولدت من الظروف الخاصة المحيطة بالثورة الصحية التي حصلت منذ أكثر من 100 سنة مضت في ما يعرف اليوم بالبلدان الصناعية. وهي ليست بالضرورة فكرة جيدة في كل مكان. فالعمل البسيط المتمثل في شطف المرحاض بالمياه يعني سلب المياه الشحيحة الممكن استخدامها لأغراض أخرى، ومن ثم معالجتها وضخها بكلفة كبيرة من أجل شطف الأوساخ التي تتطلب إما معالجتها لاحقاً أو تركها تتسرب لتلوث البيئة. اما كلفة تركيب وتشغيل المجاري الصحية والمراحيض المزودة بخزانات مياه شطف فهي عالية- ولذلك من غير المحتمل أن تكون معقولة الكلفة او يمكن استدامتها، في أجزاء كثيرة من العالم على الأقل ليس اليوم.

فما هو الجواب إذاً؟ هل علينا أن نسعى لتطوير أنواع من خدمات المياه الجارية الموثوق بها وخدمات الصرف الصحي الموجودة في مناطق المدن في كثير من الاقتصادات الناشئة وعبر الكثير من دول العالم المتقدم؟ بالنسبة لبعض المناطق، بالتأكيد، نعم. ولكن هذه الحلول لن تنجح في كل مكان ومن غير المحتمل أن تكون حلولاً سريعة أو مستدامة لأجزاء كثيرة من العالم النامي.

ولحسن الحظ، هناك بعض الدلائل المشجعة لوجود طرق جديدة ومبتكرة ومثيرة للاهتمام للاستجابة لهذه التحديات.

فخلال السنوات ال 15 الماضية، استكشفت مجموعات من الباحثين والعاملين في هذا المجال لدى الوكالات الدولية، والأوساط الأكاديمية، والقطاع الخاص، والقطاع الذي لا يبتغي الربح الطرق الممكن إتباعها لمعالجة المياه في المنزل وجعلها صالحة للشرب بتكلفة منخفضة جدا. هذه الحلول تتفاوت بشكل كبير:

• تعقيم المياه في زجاجات مستعملة باستخدام أشعة الشمس.

• التعقيم بواسطة المواد الكيميائية مثل الكلور على شكل محاليل أو أقراص.

• الترشيح من خلال طبقات رمل، ومواد خزفية أو مواد حديثة متطورة.

• مغلفات من مزائج لمعالجة المياه للتعامل مع دلو واحد من المياه في كل مرة.

كل هذه الحلول تساعد الأسر التي تحصل على المياه من الآبار أو من مصادر تقليدية غير معالجة مثل الأنهار والمجاري المائية (أو حتى من شبكات أنابيب غير آمنة) في ان تتولى زمام السيطرة على صحتهما الخاصة وليس- حرفيا ومجازيا – الطلب منها "الانتظار في الصف" للحصول على إمدادات من المياه المعالجة التي سيتم توفيرها في تاريخ ما في المستقبل البعيد. تفيد بعض الدراسات عن حصول تحسينات صحية باهرة، حيث انخفضت أمراض الإسهال بنسبة 60 في المئة، عند اعتماد هذه الطرق في حالات الكوارث.

وفي حين أن الخبر السار هو أن نصف سكان العالم لديهم بالفعل إمدادات مياه جارية في المنزل، فإن الخبر السيئ هو أن قسماً صغيراً فقط من هذه الإمدادات آمن وموثوق به. إن تحسين طريقة إدارة شبكات المياه لضمان وصول المياه بشكل آمن ومتوقع على مدار 24 ساعة يوميا، وسبعة أيام في الأسبوع، تشكل تحدياً حقيقياً. على مدى العقدين الماضيين، قامت مجموعة دولية تم تنسيقها من جانب منظمة الصحة العالمية بجمع التبصرات الإدارية والعلمية حول طريقة عمل شبكات المياه. والنتيجة هي إتباع نهج إداري شامل يسمى "التخطيط لسلامة المياه." تعتمد خطط سلامة المياه نهجا وقائيا، بحيث يتم تجنب المشاكل بدلا من كشفها وإصلاحها بعد توزيع واستهلاك المياه الملوثة، كما هو الوضع بالنسبة للرصد التقليدي. لهذا النهج القدرة على تحقيق تخفيض كبير في تكاليف رصد وتحليل المياه في المختبرات – وهذه التوفيرات مفيدة في جميع أنحاء العالم وبخاصة في البلدان النامية والمناطق النائية ، حيث يمكن أن تكون هذه التكاليف باهظة.

دور لرواد الأعمال

في الآونة الأخيرة، أصبحت البراعة التجارية ومشاريع الأعمال الريادية تؤثر على المشاكل المستعصية للمياه والصرف الصحي. على سبيل المثال، مع ازدياد نسبة الناس المقيمين في المدن في العالم، أصبح الإمداد الموثوق للمياه الصالحة للشرب يشكل تحدياً متنامياً في مدن الأكواخ الفقيرة الواسعة المحيطة بالعديد من المدن الكبيرة. في الأحياء الفقيرة في العالم، كثيراً ما تندمج التحديات التقنية مع القيود الاقتصادية والتوترات السياسية لإرهاق جهود التنمية. وقد بدأت تظهر في العديد من البلدان، أكشاك المياه التي يديرها رواد أعمال محليون كاستجابة لهذا الحل. يمكن تحقيق فائدة مزدوجة من بيع المياه الصالحة للشرب من خلال أكشاك - إذ يمكن لسكان مدن الأكواخ الفقيرة الوصول إلى المياه النظيفة بالقرب من المنزل، ويمكن لرائد الأعمال ان يكسب معيشته. وهناك طريقة أخرى أقل شيوعا، ولكنها ربما أكثر إثارة، حيث يقوم بعض رواد الأعمال بتسليم المياه عبر الأنابيب - وفي بعض الأحيان تشغيل شبكات صغيرة من الخراطيم التي تزود المياه إلى المنازل المجاورة مقابل رسم معين، في المناطق التي من غير المحتمل لها ان تحظى هذه المنازل بإمكانية تأمين المياه الجارية من المرافق العامة.

تجمع المياه والصحة التحديات التاريخية والمعاصرة وتضيف إلى هذا المزيج تحديات المستقبل. ان زيادة الطلب على الغذاء، وبالتالي على الري تسلط ضغطاً أكبر من أي وقت مضى على موارد المياه. والمزيد من النشاطات الصناعية المختلفة سوف يدخل المزيد من الملوثات الجديدة إلى المياه. وهذه التحديات بالترافق مع الالتباسات التي ينطوي عليها تغير المناخ والاحترار الكوني تجعل من مهمة ضمان وجود إمدادات كافية من المياه وأنظمة للصرف صحي أكثر كلفة وتعقيدا من اي وقت مضى. الأمراض القديمة مثل الكوليرا قد تعود إلى الظهور من جديد وبحدة أكبر إذا ساهمت المشاكل الحديثة للتلوث، والنمو السكاني، والتحضر، وتغير المناخ في جعل المياه النظيفة موردا شحيحاً أكثر من أي وقت مضى. وفي حين نقدم طرقا جديدة لإدارة المياه من أجل الصحة، فإن هذه الأساليب نفسها قد تشكل تحديات جديدة وتؤدي إلى خلق تأثيرات غير متوقعة.

المياه مورد لا يقدر بثمن، وأساسي للحياة والصحة. ولا يوفر لنا التاريخ الغني للجهود الرامية إلى تزويد الناس بالمياه والصرف الصحي سوى إرشادات محدودة للقرن الحادي والعشرين. ويقول المثل الكوري: المياه عند مصب النهر لن تكون صافية إذا كانت المياه عند المنبع عكرة." وأولئك الذين يعملون عند المنبع - في السياسة والإعلام والحكومة ووضع البرامج - يجب أن يجعلوا المياه والصرف الصحي من الأولويات، وان يبحثوا عن حلول جديدة ومبتكرة بالشراكة مع البلايين من البشر الذين يعيشون عند المصب، لكي يجعلوا "الصحة موجودة في المياه" حقيقة واقعة في حياتنا.

جيمي بارترام، دكتوراه، هو أستاذ الصحة العامة في جامعة نورث كارولاينا في تشابل هيل، ومدير معهد المياه في جامعة نورث كارولاينا. وقد أمضى 10 أعوام لدى منظمة الصحة العالمية في مجالات متصلة بالمياه والصحة، ولديه أكثر من 20 عاما من الخبرة في السياسة العامة من خلال العمل في أكثر من 30 بلدا. وفي عام 2004، تلقى بارترام الجائزة الكبرى للاتحاد الدولي للمياه لإنجازاته.

باربره والاس، ماجستير في الصحة العامة، هي مديرة العلاقات بين الشركات والمؤسسات لكلية الصحة العامة في جامعة نورث كارولاينا في تشابل هيل. وقد كانت مسؤولة عن ادارة وتقديم المشورة لمبادرة فيروس نقص المناعة المكتسب/ الإيدز لمنظمة "كير- الولايات المتحدة الأميركية"، وولاية جورجيا، واتحاد جمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر في جنيف، وكانت نائبة المدير في دائرة الصحة الوطنية البريطانية.