DCSIMG
Skip Global Navigation to Main Content
المطبوعات

المياه العابرة للحدود

النضال من أجل السيطرة الجيوسياسية

26 تموز/يوليو 2011
البروفيسور البريطاني جون أنتوني ألن وهو يتلقى جائزة ستوكهلم للمياه في العام 2008 مكافأة على ابتكاره فكرة "المياه الافتراضية" وهي طريقة لقياس المياه التي تتحرك عبر الحدود.

البروفيسور البريطاني جون أنتوني ألن وهو يتلقى جائزة ستوكهلم للمياه في العام 2008 مكافأة على ابتكاره فكرة "المياه الافتراضية" وهي طريقة لقياس المياه التي تتحرك عبر الحدود.

بقلم فريد بيرس

"المياه تربطنا بجيراننا بطريقة أكثر عمقاً وأشد تعقيداً من أي شيء آخر."

جون إي تورسون

قاضي القانون الإداري

لجنة المرافق العامة في ولاية كاليفورنيا

المياه سوف تكون واحدة من القضايا الحاسمة في القرن الواحد والعشرين. ذات مرة كنا نعتبر وجود المياه أمراً مسلماً به. ولكن المياه أصبحت بدرجة متزايدة غير متوفرة حيثما نحتاج إليها أو حينما نحتاج إليها، وفي عدد متزايد من المناطق، أصبحت إمدادات المياه الشحيحة تحدّ من التنمية وتهدد الأمن الغذائي. لم تعد مياه بعض أكبر وأشهر الأنهار في العالم تصل إلى البحر بكمية كبيرة خلال جزء من السنة.

ويجري استنفاد مياه العديد من الأنهار- السند في باكستان، والنيل في مصر، والنهر الأصفر في الصين، ونهر الغانج في جنوب آسيا، وحتى نهري كولورادو وريو غراندي في أميركا الشمالية- عن طريق ري المحاصيل التي تحتاج لمياه كثيرة وتلبية احتياجات المنازل في المدن المتمددة. تستخدم ثلثا كميات المياه المستعملة في العالم لري المحاصيل الزراعية، وقد استنتجت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، "أن المياه وليس الأرض هي التي تشكل "القيد الملزم" لإنتاج المحاصيل في ما لا يقل عن ثلث العالم. وبات من شبه المؤكد أن تغير المناخ سوف يؤدي إلى تفاقم ما بدأ يبرز بسرعة كأزمة مياه عالمية.

تقدر المؤسسة الدولية لإدارة المياه، وهي وكالة أبحاث يدعمها البنك الدولي تعمل في سري لانكا، أن نسبة 25 بالمئة من أنظمة الأنهار في العالم تجف قبل أن تصل مياهها إلى البحر، مما يسبب تأثيرات سلبية على سبل معيشة الإنسان واستدامة الأنظمة البيئية. ولعل جفاف بحر آرال في آسيا الوسطى يقدم أفظع مثال لذلك الوضع. فقد أوقفت تقريباً أنظمة الري الواسعة النطاق التي أقيمت خلال الحقبة السوفييتية لزراعة القطن في أوزبكستان، وتركمانستان، وكازاخستان تدفق المياه إلى ما كان يشكل قبل نصف قرن مضى رابع أكبر بحر داخلي في العالم. لم يعد بإمكان الأسماك العيش في مستنقع المياه المالحة المتبقية، وأصبحت الموانئ الساحلية السابقة لصيد الأسماك مثل مويناك في أوزبكستان تقع على بعد 100 كيلومتر من الشاطئ. وما تركته خلفها ما هو بمعظمه سوى صحراء لم يتم رسم حدودها. وبدون التأثير الملطف للبحر، أصبحت المناخات المحلية أكثر حدة، كما تقذف عواصف الغبار التي تنطلق من قاع البحر الجاف الملح والرواسب الكيميائية من المزارع عبر البلدان المحيطة.

وحتى وقت قريب، كانت إدارة المياه تعتبر مسعى يتعلق بتلبية الطلب على المياه: بناء السدود، ومشاريع معالجة المياه، وأقنية الري كانت توفر كمية أكبر من المياه وتقدم الحلول لنقص المياه. حيث بدأت تبرز حالات النقص الملحة في المياه أصبحت الحلول المتعلقة بتلبية الطلب على المياه غير ممكنة بعد الآن. تتمثل إحدى الطرق لتحقيق الاستعمال الأفضل لإمدادات المياه الطبيعية المتغيرة بتخزين المياه عادةً ضمن سدود ضخمة تقام على الأنهار الرئيسية. وتتفاوت سعة التخزين هذه حول العالم. فالسدود المقامة على حوض نهر موراي - دارلينغ في أستراليا تستطيع الاحتفاظ بتدفق 500 يوم من مياه النهر. لكن نهر السند في باكستان - حوض نهري بحجم مماثل موجود في بيئة قاحلة مماثلة – يستطيع الاحتفاظ فقط بتدفق 40 يوماً من مياه النهر. لا تمتلك جميع المناطق القدرة والتكنولوجيا لزيادة سعة التخزين. فحيث بدأت مياه الأنهار تجف، لا تستطيع السدود الجديدة سوى أن تأخذ المياه من مجموعة من المستخدمين لإعطائها إلى مجموعة أخرى. وفي العديد من الأنظمة النهرية أصبحت أفضل المواقع لإنشاء السدود (وعادةً وديان الأنهار السحيقة) مستخدمة حالياً.

يقدر البنك الدولي أن أفريقيا تمتلك سعة تخزين تتراوح بين 20 و25 بالمئة فقط من المياه التي تحتاج إليها، مما يجعل بلداناً مثل كينيا معرضة لخطر الجفاف. وبإمكان هذا الواقع أن يترك تأثيراً مدمراً على اقتصاد أي بلد. ففي عام 2005، على سبيل المثال، خفضت حالة الجفاف في كينيا الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 16 بالمئة.

تقاسم المياه عبر الحدود القومية

يساهم أيضاً نقص المياه في نشوء توترات دولية. يعيش نصف سكان العالم تقريباً في أحواض أنهر تمتد عبر الدول. فعلى سبيل المثال، لا يوجد أي اتفاق حول تقاسم مياه نهري دجلة والفرات، اللذين ينبعان من جبال تركيا - حيث يجري حالياً بناء سدود – ويجريان إلى أراضي العراق القاحلة. حددت معاهدة دولية وقعت في الأمم المتحدة قبل عقد من الزمن إطار العمل لحل النزاعات حول الموارد المائية المشتركة، ولكن لم يصدّق عليها عدد كاف من الدول لتدخل إلى حيز التنفيذ.

يوجد في أفريقيا 80 نهراً عابراً للحدود الدولية. ولا تغطي أية معاهدة لتقاسم المياه ثُلثي الأنهار العابرة للحدود. ويعود تاريخ الاتفاق القائم في أفريقيا حول تقاسم مياه نهر النيل الذي يتدفق عبر 10 بلدان، إلى أكثر من نصف قرن. يحابي الاتفاق مصر والسودان اللتين تقعان بالقرب من مصب النهر وتعتبره الدول الواقعة بقرب منابع النهر بأنه اتفاق غير شرعي إلى حدٍ كبير. لم تحقق المباحثات الطويلة التي كانت تهدف إلى وضع اتفاقية جديدة أي نجاح.

ومع جفاف الأنهار، أخذ العالم يعتمد بصورة متزايدة على احتياطي المياه الجوفية، التي يعود تاريخ بعضها إلى آلاف السنين. وفي آسيا المكتظة بالسكان، يجري ضخ هذه المياه الجوفية بشكل مفرط، مما يهدد إمدادات المياه في المستقبل. وفي سائر أنحاء العالم يتم ضخ المياه من جوف الأرض بمقدار 200 كيلومتر مكعب سنوياً تقريباً. يستهلك نصف بليون إنسان القمح، والأرز ومحاصيل اخرى ترويها احتياطات المياه الجوفية غير المتجددة.

تواجه الهند مشاكل خاصة. فمع تناقص إمدادات المياه السطحية من الأمطار، قام المزارعون بحفر ما يزيد عن 20 مليون بئر ارتوازية تحت حقولهم خلال السنوات الخمس عشرة الماضية. ويضخون كمية تزيد حوالي مئة كيلو متر مكعب من الماء سنوياً عما تعوضه لهم مياه الأمطار. ونتيجة لذلك بدأت مناسيب المياه الجوفية تهبط بسرعة. يزرع ما يقدر بربع كميات المحاصيل الغذائية في الهند باستعمال مياه يجري ضخها بإفراط من طبقات المياه الجوفية.

ومثلها مثل الأنهار، فإن بعض طبقات المياه الجوفية الاحتياطية الحرجة الموجودة في المناطق القاحلة تكون عابرة للحدود الدولية. فمثلاً يتقاسم الأردن والمملكة العربية السعودية حوض الديسي للمياه الجوفية. كما أن احتياطي حوض النوبة الشاسع تحت الصحراء الكبرى يمتد تحت أجزاء من أراضي ليبيا، ومصر، والسودان، وتشاد. وتشكل إدارة المياه المخزونة في مسام الصخور تحت الضفة الغربية مصدراً آخر للتوتر بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية - تماماً كما تتنازع إسرائيل، والأردن، وسوريا، حول الوصول إلى مياه نهر الأردن.

نقل المياه و"المياه الافتراضية"

المياه ثقيلة على النقل أو الاستخراج، ولذلك يتم التحكم في معظم كميات المياه ضمن أحواض الأنهار ويتم نقلها إلى حد كبير بفعل الجاذبية، ولكن التحويلات المشتركة بين أحواض الأنهار يمكن أن تقدم حلولاً لحالات النقص المحلية. فعلى سبيل المثال، تبني الصين حالياً شبكة من الأقنية والأنابيب لنقل المياه من نظام نهر يانغ تسي من الجنوب الممطر إلى مناطق قاحلة في الشمال، حيث أصبحت مياه النهر الأصفر تستعمل بالكامل، وطبقات المياه الجوفية الاحتياطية تضخ بإفراط هناك. سوف يكلف المشروع عشرات البلايين من الدولارات. وبصورة مماثلة، اقترحت الحكومة الهندية إنشاء مشروع حتى أكبر حجماً لنقل الماء من الأنهار الموسمية في شمال الهند إلى المناطق الجنوبية والغربية القاحلة. وقد نوقشت أفكار أخرى لتحويل المياه من نهر الكونغو إلى الداخل الصحراوي فيها، ومن الأنهار الشمالية الاستوائية في أستراليا إلى مناطق الداخل الصحراوية.

إن هذه الخطط مكلفة للغاية. ونقل المحاصيل أقل كلفة عن نقل المياه اللازمة لزراعتها. وبالتالي فإن العالم يخفف بصورة متزايدة من حدة أزمات المياه المحلية من خلال "نقل" المياه على شكل مواد غذائية. يسمي علماء الاقتصاد هذه تجارة "المياه الافتراضية". يتم تصدير كمية تصل إلى حوالي 15 بالمئة من المياه التي يستهلكها البشر في جميع أنحاء العالم على شكل مياه افتراضية. هذه التجارة أساسية لضمان بقاء بلدان في الشر ق الأوسط مثل مصر، والجزائر، والأردن. ويتم استيراد كميات أكبر من المياه الافتراضية إلى منطقة الشرق الأوسط في كل سنة تزيد عن المياه المتدفقة من نهر النيل. ومن دون هذه المياه الافتراضية، لاندلعت على الأرجح الحروب حول المياه.

إن بعض البلدان تعتبر مصدرة رئيسية للمياه الافتراضية، لا سيما الولايات المتحدة، وأستراليا، وكندا. في حين أن بلداناً أخرى، وتشمل معظم الدول الأوروبية، تعتبر مستوردة لهذه المياه. فالمملكة المتحدة، على سبيل المثال، تستورد ما يقدر بنحو 40 كيلومترا مكعباً من المياه الافتراضية في كل عام، ومعظمها على شكل محاصيل غذائية.

وفي حين أن تجارة المياه الافتراضية أمر حيوي لتغذية العالم، فإنها تخلق مواطن ضعف من المحتمل أن تتكثف وسط المخاوف المتزايدة بشأن الأمن الغذائي. فهل ستبقى دول مثل أستراليا والولايات المتحدة على رغبتها في زراعة المحاصيل التي تستهلك كمية كبيرة من المياه من أجل التصدير؟

تتميز تجارة المياه الافتراضية بالقدرة على تحويل النقص في المياه المحلية إلى أزمات غذائية عالمية. ومن الأسباب الهامة للارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية في العالم في عامي 2007 و 2008 كان حصول الجفاف في أستراليا، التي كانت في السابق أكبر مصدِّر صافٍ في العالم للمياه الافتراضية. أدى عدم هطول الأمطار في منطقتها الزراعية الرئيسية، أي حوض نهر موراي- دارلينغ، إلى تخفيض صادراتها من المحاصيل الغذائية التي تحتاج كميات كبيرة من المياه - بما في ذلك الأرز، والسكر، والقمح – بنسبة زادت عن 50 بالمئة.

يمكن لتغير المناخ أن يفاقم الأمور من خلال زيادة الطلب وخفض إمداد المياه الافتراضية. يتنبأ العلماء أن ذلك سوف يجعل من المناطق الممطرة في العالم أكثر تعرضاً لهطول الأمطار، في حين أن المناطق الجافة ستصبح أكثر جفافا. وفي البلدان الجافة سيكون الطلب على المياه في معظمه من أجل ري المحاصيل.

التقدم في مجال تكنولوجيا المياه

يمكن للتكنولوجيا أن تساهم في مساعدة العالم. هناك الكثير من المياه في المحيطات. وتشكل تحلية مياه البحر المصدر الرئيسي لمياه الشرب في دول غنية بالنفط والغاز في الشرق الأوسط، حيث تتوفر الكميات الكبيرة من الطاقة المطلوبة لهذه العملية محلياً وبكلفة متدنية. كما أن التقدم التقني أصبح يخفض كلفة تحلية مياه البحر. ومع هبوط الأسعار، يتم اعتماد هذه التكنولوجيا في أماكن أخرى، ولا سيما في إسرائيل. ولكن من غير المرجح إنتاج كميات كبيرة من المياه الزهيدة الكلفة اللازمة لري المحاصيل أو لخدمة المناطق البعيدة عن السواحل.

ومن المرجح أكثر أن تتحقق الاختراقات التقنية من خلال زيادة كفاءة المياه. فالعديد من أصناف المحاصيل ذات الغلة العالية تتطلب كميات كبيرة من المياه. وتعمل شركات إنتاج البذور على تطوير محاصيل تتطلب كميات أقل من المياه. ومن المهم بنفس القدر توفر تكنولوجيا ري أكثر كفاءة إذ إن معظم أنظمة الري تفقد معظم كميات المياه بسبب التبخر والتسرب. يمكن لنظام الري بالتنقيط نقل كميات أقل من المياه بالقرب من جذور النباتات. ولدى هذا النظام القدرة على خفض الطلب على المياه لأغراض الري بنسبة 50 بالمئة أو أكثر.

وهناك تطور رئيسي آخر يتمثل في إعادة تدوير المياه - لا سيما إعادة استخدام مياه الصرف الصحي في مناطق المدن لري المحاصيل. الرواد في هذا المجال هم إسرائيل، وتونس، والمكسيك. فعلى سبيل المثال، تنظف المكسيك مياه الصرف الصحي من مدينة سيوداد خواريز لري المحاصيل الزراعية في أسفل مجرى القسم الجاف من نهر ريو غراندي.

ويستطيع علم الاقتصاد أن يساعد في دفع هذه التغييرات. ففي أجزاء من الشرق الأوسط، لا تزال المياه تقدم مجاناً، وحتى عندما يتم استخراجها بكلفة عالية من خلال تحلية المياه. ونتيجة لذلك، فإن بعض الأماكن الأكثر جفافاً في العالم لديها بعض أعلى معدلات نصيب الفرد من استهلاك المياه. هناك مقاومة ضد التسعير الواقعي للمياه. فالماء "حق من حقوق الإنسان"، وهو ضروري من أجل البقاء. ولكن العديد من البلدان أصبحت تواجه هذه المسألة. فالصين، على سبيل المثال، صممت خطة قومية لرفع أسعار المياه للحد من الطلب.

يقول البعض، إن المياه هي النفط الجديد، الذي سيسيطر على السياسات الجغرافية العالمية في القرن الواحد والعشرين. لن تصبح المياه أبداً سلعة عالمية كالنفط، ولكن عندما يواجه العالم الحدود الحقيقية لإمدادات المياه، وعندما يبدل تغير المناخ جغرافيا توفرها، ستصبح المياه بصورة متزايدة قضية سياسية ضمن البلدان وخارجها. ولن نتمكن بعد الآن اعتبار وجود المياه أمراً مسلماً به.

فريد بيرس، كاتب بيئي ومؤلف عدد من الكتب، بما في ذلك "عندما تجف الأنهار: ماذا يحدث عندما تنفذ مياهنا؟"و"الانهيار السكاني القادم: والمستقبل المدهش لكوكبنا."