DCSIMG
Skip Global Navigation to Main Content
المطبوعات

مدينة شيكاغو تتوهج بلون الزبرجد

28 كانون الأول/ديسمبر 2010
صورة للمؤلف ستيوارت ديبيك

في هذا المقال، يعرّفنا المؤلف ستيوارت ديبيك على بلسين،وهي منطقة من شيكاغو ترعرع فيها، ويتبادل معنا مشاهد وأصوات طفولته

بقلم سيتوارت ديبيك

ستيوارت ديبيك مؤلف ثلاثة كتب روائية وديوانيْن من الشعر. تقع أحداث مؤلفاته في حي بيلسين حيث ترعرع في الجانب الغربي من شيكاغو. أعماله الروائية وأشعاره كثيرا ما تُجمع وتُنشر في المختارات من المقتطفات الأدبية، وفازت بجوائز عديدة من ضمنها جائزة ماك آرثر عام 2009. وديبيك كاتب مميز وأستاذ مقيم في جامعة نورث ويسترن.

شيكاغو مدينة يسير فيها النهر إلى الخلف، وتحتضن المفارقات. وتضمن الجغرافيا قيامها بذلك. إنها العاصمة غير المعلنة لقلب البلاد، وهي مدينة داخلية اشتهرت بناطحات السحاب التي ترتفع عن الأرض المسطحة لمنطقة المروج الشاسعة الخصبة المعروفة باسم الوسط الغربي الأميركي. رائحة ملوحة المحيط تبعد مسافة 700 ميل، ومع ذلك فإن شيكاغو تعتبر مدينة مياه. أفقها بلون أزرق ضارب إلى الخضار. ساحل المدينة يشرف على أكبر بحر من المياه العذبة على وجه الكرة الأرضية، بحر يحتوي 20 بالمئة من المياه العذبة على وجه الأرض. وأكثر من المروج، أو الحقول، أو المتنزهات القومية، فإن المياه هي التي تخدم بمثابة ثقل الطبيعة النقيض للعارضات الحديدية والخرسانة في الأعمال الهندسية المعمارية في شيكاغو، ولحصى رصف الشوارع فيها. حماية واجهة البحيرة العامة كانت المزية المركزية في خطة برنهام عام 1909، وهي المسؤولة عن المحافظة باستمرار على ما هو جميل بشكل فريد في شيكاغو. تعكس مياه البحيرة صورة الانعكاس الواسع للمدينة وتعيدها بعد تغييرها. والمياه هي أسطورة المدينة. يستطع أن يخبرك بذلك أي طفل ترعرع في المدينة الداخلية وقطع الرحلة في فصل الصيف البالغ الحرارة متجهاً إلى الشاطئ، أو ما هو أفضل، امسك بمضخة إطفاء الحريق وافتحها واترك محتواها يتدفق في الشارع بينما يرقص الحي تحت الرذاذ.

أصل شيكاغو متشابك مع الماء. في عام 1674، قاد لويس جولييت والأب ماركيت، وهو مبشر يسوعي كان يتحدث عددا من لغات الأميركيين الأصليين (الهنود الحمر)، قوارب تجديف مصنوعة من قشور شجرة البتولا إلى أعلى نهر إيلينوي، وأصبحا أول أوروبيين ينصبان خيمتهما بالقرب من الموقع الذي كان سيصبح مدينة كبرى. لقد أثار إعجابي هؤلاء المستكشفون وأنا طفل. ففي الليل كان فراشي يتحول إلى قارب تجديف أقوده عبر البراري، متخيلاً الإعجاب الذي لا بد وأن شعر به الفرنسيان عندما شاهداه للمرة الأولى. كانت نوبة العمل الليلي للمدينة مسموعة من نافذتي ولا سيما القطارات التي لا تنام أبداً وهي تهدر فوق جسور القناطر. كان حيّنا محاطاًَ بخطوط السكة الحديدية وما يسمى بالقنال الصحي- المياه البنيّة للمجاري المفتوحة- المترسبة في أسفل جسور السكك الحديدية البعيدة مسافة عدة أبنية فقط. ولكني كنت على نهر ينساب عبر الغابة، يأتي للشرب من مياهه على امتداد ضفتيه الجاموس، والوعول، والدببة، والثعالب. يتذكر والدي، المهاجر البولندي، أنه شاهد لافتة تشير إلى المكان الذي نصب ماركيت خيمته فيه خلال فصل الشتاء على طول النهر على الشارع 27 وجادة دامين، غير البعيدة عن المكان الذي كنا نعيش فيه، وفي أحد الأيام، قمت مع صديقي إدي بوي برحلة على الدراجات الهوائية محاولين إيجاد تلك اللافتة ولكن في حال كانت تلك اللافتة موجودة فلم تعد موجودة هناك. كان التقاط الخردة أمراً شائعاً في حيّنا، حيث قد تكون صرة العجلة لرجل بمثابة الخردة بالنسبة لرجل آخر، واعتقدنا أن شخصاً سرقها من أجل الحصول على معدن البرونز.

عشنا في بلسين، وهي حي في مرفأ الدخول في ساوث وست سايد، وقد سميت بهذا الاسم نسبة إلى "بلزن"، المدينة التشيكية التي تعطي اسمها إلى ماركة جعة خفيفة ذهبية اللون. شيكاغو مدينة مقسومة بين نورث سايد الذي يحتوي على مباني سكنية وساوث سايد الصناعي الذي يقطنه أفراد الطبقة العاملة. إنها مدينة من الأحياء المنفصلة لأنها مدينة مهاجرين. يمكن معرفة تاريخ الهجرات في طريقة تقسيم أحيائها على امتداد خطوط عرقية أو إثنية- برونزفيل، تشاينا تاون، غريك تاون، أندرسون فيل، ليتل إيتالي، الباريو.

تنتج مدن، إذا كانت محظوظة، كتّاباً يحددونها – حاول أن تتصور لندن بدون ديكنز. شيكاغو هي تلك المدينة الأميركية النادرة التي تملك تقليداً أدبياً يشبه لندن أو موسكو، وبصورة ملائمة، فإن كتاب شيكاغو- ومعظمهم من سكان ساوث سايد- هم كتاب ينتمون إلى أحياء محددة: سول بيللو الذي ينتمي إلى هايد بارك، ونلسون ألرغين الذي ينتمي إلى المثلث البولندي على خط ميلووكي وديفيجين، وغواندولين بروكس التي تنتمي إلى بورنزفيل، وجيمس فاريل الذي ينتمي إلى ما كان يعرف مرة بساوث إيست سايد الأيرلندي.

لكل حي شارع رئيسي، والشارع 18 هو الشارع الرئيسي لبلسين. عندما تتمشى نزولاً في الشارع 18 عبر رائحة الدخان المتصاعدة من المطاعم التي تبيع "التاكويرياس" التي تصدر منها موسيقى "الرانشيرا"، مجتازاً إشارات المتاجر الأسبانية والرسومات الجدارية النابضة بالحيوية التي تعيد إلى الذاكرة دييغو ريفيرا، ثم تتعجب لماذا سُمّي هذا المكان باسم بلسين بدلاً من غوادا لاهارا.

منذ الستينيات من القرن العشرين، كان حي بلسين ميناء دخول رئيسي للمهاجرين اللاتين الذين اجتازوا ليس محيطاً بل نهراً للوصول إلى الولايات المتحدة. قبل ذلك كان هذا الحي يعرف باسم المنطقة الخاصة بالسلاف. استقر المهاجرون التشيكيون هناك في منتصف القرن التاسع عشر وكان الحي أحد الأحياء القليلة في المدينة الذي استمر باقياً بعد حريق شيكاغو عام 1877. اشتعلت نفس تلك الفترة الزمنية بحرائق الاضطرابات العمالية والتغير الاجتماعي وظهر اسم حي بلسين، الذي ضم أفراد الطبقة العاملة منذ نشأته، بشكل بارز في موجات الإضرابات والاحتجاجات وأعمال الانتقام الوحشية. كان ذلك وقتاً حيث يستطيع حي "بوتقة انصهار" غير معروف أن يعمل كمرجل لأحداث قومية ذات أبعاد تاريخية، فترة زمنية شاهدت العنف في مظاهرات هاي ماركت، وتجارب اجتماعية مثل منزل هال لجين آدامز، والتعليم التقدمي لجون ديوي، والأدب الاحتجاجي مثل البيان التشهيري لابتون سنكلير لصناعة تعليب اللحوم في شيكاغو في كتابه "ذي جانغل". هذه الضفيرة من الليبرالية الأميركية التي نمت في شيكاغو كانت ستمتد لاحقاً إلى عمل ونظريات منظم المجتمع الأهلي سول إلينكسي، الذي خاطبت أفكاره بدورها محاميا شابا اسمه باراك أوباما.

رغم الأحداث التاريخية التي حصلت ضمن مساحة 3.5 ميلاً مربعاً من حي بلسين، كنت أنا وأصدقائي الذين ترعرعنا هناك بعد عدة أجيال نجهل ماضي هذا الحي. شيكاغو التي نعتتها نلسون ألغرين باسم شهرة "المدينة التي هي قيد الصنع" لا يمكن الاعتماد عليها لتوفير الوقت اللازم للتاريخ. تتطلب أعمال المحافظة العناية والمال، والمكان الذي هو قيد الصنع يرى مكسباً أكبر في هدم المباني، إعادة البناء، وترك الماضي ودروسه غير الملائمة- دون ترك الضغائن بالضرورة- في الركام خلفنا. تاريخ الصراع الطبقي والاضطرابات العمالية لا يدرّس سوى نادراً في المدارس. مع ذلك أتساءل ما إذا كنا، ونحن نتقدم في العمر، لا نحس بالماضي عند مستوى ما دون الوعي.

ابتدع الفيلسوف جاك دريدا عبارة "علم المسكونين بالأشباح" الذي حدده على أنه "حالة تُشكِّل مفارقة لشبح ليس كائناً أو غير كائن". إنه يتحدث بصورة مجازية حول كيف تستمر القوى الاقتصادية للماضي، رغم كونها منسية، في مطاردة الحاضر. كان هناك جسر قنطري على خط سكة حديدية في بلسين ذاعت شهرته بأنه مسكون بالأشباح. وعلى كل حال كان الجسر القنطري بمثابة أنفاق مخيفة شبحية، ولكن كانت تلك القنطرة الموجودة في الشارع 16 كانت تُعتبر مسكونة بالأشباح. وكانت الطقوس المحلية للتعبير عن الشجاعة الركض عبرها خلال الليل. تكهنا بأنه حصلت عملية قتل ارتكبتها عصابة أو عملية اغتصاب شنيعة أو أن أحد العمال المشردين بلا مأوى الذي كان يركب القطار وجد مشنوقاً هنا.

وفقط عندما أصبحت راشداً، عندما كنت أبحث في تاريخ الحي الذي أسكن فيه علمت أنه في عام 1887 كان هذا الجسر القنطري هو الموقع لمعركة القنطرة. فقد أدى إضراب عمال السكك الحديدية عام 1887 إلى اضطرابات عمالية عامة. وعندما اجتمع جمهور من المتظاهرين العزّل من السلاح، من بينهم نساء وأطفال، على القنطرة، أطلقت عناصر من الشرطة، والجيوش الفدرالية المدربة خلال معاركها مع قبائل السو التي هزمت كاستر، النار على الجماهير وقتلت ثلاثين فرداً منهم وأصابت بجروح ما لا يقل عن مئة شخص. من الممكن شراء "طوب تذكاري" يفترض أنه من الجدار المخرب بالرصاص من مجزرة عيد القديس فالنتين، وقد تمّ الاحتفاظ بواجهة مسرح بيوغراف حيث قتل جون ديللينغر بالرصاص وهي تبقى نقطة تجذب السياح. وفي نهاية المطاف، كانت شيكاغو معروفة بغرامها المراهق بأفراد العصابات. ولكنك إذا زرت جسر القناطر على الشارع السادس عشر وهلستد، فإنك لن تجد، باستثناء الأشباح، أي نص تذكاري لمعركة القنطرة.

مع ذلك، ومثل ما قامت به أوجي مارش في كتاب سول بيللو، يمكنني أن أدعي أنني "أميركي، مولود في شيكاغو- شيكاغو تلك المدينة القاتمة." وتوجد أوقات عندما كنت أعود إلى الأماكن المسكونة بالأشباح في ساوث سايد القديمة، وأشعر كسائح في ماضي الشخصي. وسيلة انتقالي المفضلة هي قيادة قاربي الكاياك نزولاً في الفرع الجنوبي لنهر شيكاغو- النهر الذي ينساب طبيعياً باتجاه البحيرة، والذي تمّ تغيير مجراه، لصالح المجاري الصحية، عام 1900. يتشعب الفرع الجنوبي للنهر إلى قناة السفن والمجاري الصحية، التي تنسل خفية عبر ساوث وست سايد. وقد أسميناها القناة غير الصحية. وتقول الأسطورة إنه في حال لمست قطرة سامة منها الجلد العاري سوف تصاب بمرض ينتقل بالعدوى- كشلل الأطفال، والسل، والسفلس- أو تغمرك ديدان دموية تتغذى على فضلات الذبائح التي ترميها حظائر المواشي. عرفت القناة باسم "بابلي كريك" عندما كانت شيكاغو، استناداً إلى قول كارل ساندبرغ "جزار الخنازير للعالم"، وكان الغاز المتصاعد من هياكل الذبائح المتعفنة المطروحة في النهر يطفو على السطح. ورغم استثمار موارد كبيرة في تحسين نوعية المياه، فإنني أحرص على تخفيف الاتصال بها إلى أدنى حد عند ما انطلق في جادة أشلاند.

ينساب الفرع الشمالي للنهر عبر أخدود وسط المدينة المصنوع من الزجاج والفولاذ وفقاً لهندسة معمارية عالمية. إنها رحلة جديرة بأن تُقطع. ولا يوجد وجهة أفضل لرؤية المدينة من الأرض إلى الأعلى – أكانت باريس، أو براغ، أو شيكاغو- من رؤيتها من نهرها. يبدو النهر أكثر نظافة على الفرع الشمالي. تمر فرق سباق التجديف، عبرها، وهناك أناس على طول الساحل يصطادون بالفعل سمكاً غير صالح للأكل، وقد انتشرت شائعة تقول إن رئيس البلدية ريتشارد جاي دايلي، درس إمكانية تشغيل أسطول من الغندولات لنقل الناس حول وسط المدينة.

قناة المجاري الصحية ليست جاهزة تماماً للغوندولات. فهي تصدر رائحة، كما كانت تفعل عندما كنت طفلاً، رائحة من النفط، والطلاء، والحمام تحت جسور خط السكة الحديدية. ضفافها الصدأة مكدسة بالخردة والنفايات. تعكس بحيرة ميشيغن وجه الساحل الذهبي الذي ترغب المدينة في أن يراه كل العالم. ولكن نهراً صناعياً كالفرع الجنوبي يكشف عن الجانب الخلفي حيث نوافذ المصانع محطمة ومحروقة حتى السواد. في المدرسة الثانوية كنت أعود خلال الليل للتأمل في الأستيلين الذي يخرج منه الشرر وأسهم اللهب الساخن الأزرق من مسابك النوبة المسائية وهي تنطلق من المياه الداكنة. كنت أستكشف في الصيف المساحات خلف المصانع المفلسة التي بدأت تعود إلى المروج والى الأراضي الرطبة، حيث الحياة البرية- الأرانب، الثعالب، طيور التدرج، مالك الحزين، الضفادع، والأفاعي- كانت تبقى على قيد الحياة على مرأى من مجموعة القمم المستدقة لوسط المدينة. وكما هو الحال بالنسبة لمسارات السكك الحديدية فإن الأنهر هي مسارات للطيور وبجانب الحضور الدائم لطيور النورس، هناك أسراب من البط، والبط البري، والعيون الذهبية، والمرغانسير، والأوز الكندي، والبجع المهاجر، والقنبرة، والرفراف والسنونو، والباز، والصقر، الطائر الرسمي للمدينة، والتي كانت دائمة الحضور لاصطياد الحمام.

تحت قيادة دايلي، أصبحت شيكاغو رائدة في حركة المدينة الخضراء. في إحدى المرات وفي مناسبة لتعليم القراءة والكتابة لطلاب من الأحياء الداخلية للمدينة، حكيت لرئيس البلدية رحلات التجديف التي قمت بها على طول النهر وكم كانت دهشتي عظيمة عند رؤية سد قندس، كإشارة واضحة على تحسن نوعية المياه.

أخبرني رئيس البلدية "هذا لا شيء" بلهجة ساوث سايد. "هذا النهر أصبح نظيفاً لدرجة أن الكائنات المفترسة بدأت تعود. جاء حيوان الدلق إلى الفرع الجنوبي خلال الليل وانطلق عند منطقة سرماك وانسل إلى شاينا تاون وقتل نصف عدد البط هناك. تلقيت هذا النداء من دائرة الشرطة تقول فيه إن أصحاب المطعم الصيني غاضبون جداً ويريدون معرفة ما سنفعله بالنسبة لهذا الأمر. ماذا يريدون أن أفعل، إلقاء القبض على حيوان الدلق؟

في وقت لاحق، تأكدت من خبير محلي بالحياة البرية الذي أخبرني أنه كما توقعت، كانت القصة غير محتملة الحدوث، وأن حيوانات الدلق قد انقرضت في إيلينوي منذ العام 1859. و"لكنه أضاف قد يكون هذا حيوان المنك".

منظر جوي لوسط مدينة شيكاغو، ولاية إيلينوي

مدينة شيكاغو التي وصفها ديبيك أكوامارين شيكاغو هي رقعة من الأحياء، والتنوع، والموارد الطبيعية ويعج تاريخها بشخصيات من ماضيها الملون وحاضرها المتغير باستمرار