DCSIMG
Skip Global Navigation to Main Content
المطبوعات

جبال أبالاتشي والأوزارك

05 أيار/مايو 2008
جبال أبالاتشي والأوزارك

جبال أبالاتشي والأوزارك

بقلم ستيفن بيردسال وجون فلورين

اقتطف المقال التالي من مطبوعة وزارة الخارجية: "ملخص الجغرافيا الأميركية."

تفصل مسافة 400 كيلو متر من الأراضي بين مرتفعات أبالاتشي، الممتدة من نيويورك إلى الاباما، ومنطقة جبال الأوزارك-وواشيتا. تُشكِّل هاتان المنطقتان بالفعل جزئين من مقاطعة جغرافية طبيعية لديها تشابه طبوغرافي قوي وارتباط وثيق على نحو غير اعتيادي بين هذه التضاريس والمستوطنات البشرية.

سمع المستوطنون الأوائل، لدى وصولهم إلى شواطئ أميركا الاستعمارية حكايات عن وجود سلسلة هائلة من الجبال العالية في الغرب. وعندما انتقلوا إلى تلك الجبال اكتشفوا ان ارتفاعها كان مضخماً. ففي بضع مساحات صغيرة فقط تقترب جبال أبالاتشي او الأوزارك من المشاهد الطبيعية الدراماتيكية الشائعة جداً في الغرب.

مع ذلك، قد يوافق معظم الذين يهتمون بمثل هذه المسائل على تسمية الكثير من طوبوغرافيا أبالاتشي والأوزارك "جبلية". الارتفاع المحلي يتجاوز 500 متر في مناطق عديدة و1000 متر في بعض الأحيان. وغالباً ما تكون المنحدرات حادة.

تبقى الجغرافيا البشرية لجبال أبالاتشي متشابكة عن كثب مع ملامح طوبوغرافيتها. فبدون الجبال كان من المحتمل ان تكون المنطقة جزءاً من عدة مناطق متجاورة، كالجنوب الأدنى. لكن مع وجود هذه الجبال تتواجد أبالاتشي والاوزارك كمنطقة أميركية مميزة ومحددة.

طوبوغرافيا متنوعة

تتكون جبال أبالاتشي من ثلاث مقاطعات جغرافية طبيعية على الأقل، وهذه المناطق الفرعية المرتبة على شكل أحزمة متوازية تمتد تقريباً من الشمال الشرقي إلى الجنوب الغربي.

الحزام الواقع في أقصى الشرق هو حزام "بلو ريدج" الذي يتكون من صخور قديمة يعود تاريخها إلى ما قبل عصر الصخور الكمبرية، وقد تعرّض هذا القسم لانجراف شديد وأصبحت ارتفاعاته حالياً لا تُشكِّل إلا جزءاً بسيطاً فقط من ارتفاعاته السابقة. قسم بيدمونت من الأراضي المنخفضة الجنوبية للمحيط الأطلسي، تحيط بحزام بلو ريدج على امتداد الجانب الشرقي لجبال أبالاتشي من نيويورك إلى الاباما.

بصورة عامة، يزداد ارتفاع وعرض حزام بلو ريدج من الشمال إلى الجنوب. وفي الجنوب، وعلى وجه الخصوص في جنوب مدينة روانوك، فرجينيا، يوجد القسم الجبلي أكثر من غيره في منطقة أبالاتشي. التغيرات في الارتفاع، امتداداً من منطقة البيدمونت وحتى بلو ريدج حادة وكبيرة عادة. ففي ولايتي بنسلفانيا وفرجينيا، يُشكِّل بلو ريدج سلسلة تلال رفيعة تمتد بين البيدمونت وغريت فالي إلى الغرب، على طول حدود ولايتي نورث كارولينا وتنيسي، وتتسع حتى عرض يقرب من 150 كيلو مترا.

إلى الغرب من بلو ريدج يوجد قسم التلال والوديان. وهذا يُشكِّل جزءاً من الامتداد الكبير للطبقات الصخرية المترسبة والمستقيمة بين بلو ريدج وجبال الروكي. الطرف الشرقي لهذه الطبقات عبارة عن طبقات منثنية بشدة ومتصدعة، ما أدى إلى نشوء طوبوغرافيا خطية.

يبلغ متوسط عرض قسم التلال والوديان حوالي 80 كيلو متراً وتتخلله تلال عديدة ترتفع إلى علو يتراوح من 100 إلى 200 متر فوق مستوى الأودية الفاصلة. أما الفجوات في هذه التلال فهي نادرة نسبياً وأوجدتها عادة الأنهر التي تجتاز الأراضي المنخفضة من المنطقة. يبلغ عرض هذه الوديان عدة كيلومترات وبذلك توفر بعض أفضل الأراضي الزراعية في منطقة أبالاتشي. وتتكون تلال هذا القسم بشكل عام من الطفل الصفحي والحجر الرملي المقاوم نسبياً للتآكل، بينما يتكون عادة قعر الأودية من الحجارة الكلسية.

يقع وادي غريت فالي بين بلو ريدج وأول التلال. وهو يمتد فعلياً عبر كامل طول المنطقة، ويشكل هذا الوادي (الكثير التلال بدلاً من ان يكون مسطحاً في معظم المناطق) هو تاريخياً أحد أهم الطرق في أميركا، والطريق الذي ربط الناس في أبالاتشي ببعضهم البعض اكثر من أي تضاريس طبيعية أخرى باستثناء الجبال نفسها.

يُشكِّل الجزء الغربي الأقصى من جبال أبالاتشي هضبة أبالاتشي، التي يحدّها منحدر حاد في الشرق يسمى "اليغيني فرونت"، الذي كان أهم حاجز أمام الحركة إلى الغرب في البلاد شرقي جبال الروكي. تشكلت تضاريس هذه المنطقة بدرجة كبيرة من انجراف القواعد الأفقية للأرض المنخفضة في الداخل بسبب مجاري الأنهر. شكل الانجراف تضاريس وعرة غير منتظمة تشمل أودية انهر ضيقة تحدها تلال عالية حادة. يتميز القسم الشمالي من هضبة أليغيني في نيويورك وبنسلفانيا بمشهد طبيعي أكثر استدارة ونعومة. الأرض المستوية نادرة، باستثناء مساحات محدودة. أرغمت معظم المجتمعات الأهلية على العيش باكتظاظ داخل مساحات مستوية صغيرة في أودية الأنهر.

تتبع مرتفعات اوزارك- واشيتا طوبوغرافيا تماثل إلى حد بعيد جبال أبالاتشي مع "اتجاه الأراضي" فيها الآن بالاتجاه الشرقي-الغربي بدلاً من الشمال الشرقي-الجنوب الغربي. تظهر جبال واشيتا الواقعة في الجنوب سلسلة من التلال المتوازية المتكونة من طبقات منثنية وأودية. وتفصلها عن الاوزارك قناة وادي نهر اركنسو. الاوزارك منطقة جبلية غير منتظمة تتألف من هضاب منجرفة تشبه كثيراً هضبة أبالاتشي.

شعب أبالاتشي

لم يندفع المستوطنون عبر جبال بلو ريدج إلى مرتفعات أبالاتشي إلا في تاريخ متأخر من الفترة الاستعمارية، أي بعد 150 سنة من الاحتلال الأول للساحل الشرقي لأميركا. الممر الأكثر سهولة والمستعمل أول مرة للدخول إلى وادي غريت فالي، وما بعدها من الجبال كان يقع في جنوب شرق بنسلفانيا، حيث لم تُشكِّل جبال بلو ريدج أكثر من سلسلة من التلال. وجد العديدون من سكان بنسلفانيا الأراضي الجبلية الواقعة إلى الشمال والغرب غير صالحة للعيش فيها. ولذلك مددوا استيطانهم تدريجياً باتجاه اسفل الوادي إلى فرجينيا. وما لبثوا ان انضم إليهم آخرون انتقلوا إلى الداخل من الأراضي المنخفضة الجنوبية.

ولاحقاً في أواخر القرن الثامن عشر بدأ الناس يستوطنون الأودية والممرات الضيقة بين المرتفعات المحيطة. كانت الأرض التي اختاروها فقيرة بالمقارنة مع المناطق الأبعد غرباً، وجعلت وعورة أرضها مقرونة بالمناخ البارد للمرتفعات معظم اراضي المنطقة غير صالحة لاقتصاد المزارع الكبيرة. ولم ينشأ سوى تطور عدد قليل من المزارع الكبيرة الحجم في بعض المناطق المنخفضة الأكثر اتساعاً.

وعندما قدم المستوطنون الأميركيون إلى هذه المنطقة في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، وفرت المنطقة إمكانية استيطان ملائمة لمزارع اصغر حجماً. كان المزارع لا يستطيع زراعة أكثر من ما بين 10 و20 هكتاراً من الأرض المستصلحة. وتوفرت قطع الأرض كهذه في أودية الأنهر. كانت الغابات تعج بالطرائد، وكانت الأخشاب غزيرة، وكانت الحيوانات تستطيع الرعي في الاحراج والمراعي الجبلية. وفقاً لمعايير ذلك الوقت، كانت هذه الأرض تعتبر جيدة بدرجة معقولة، وما لبثت ان استوطنت مجموعات من المزارعين هذه الجبال.

أصبح جزء كبير من المنطقة تدريجياً أكثر انعزالاً وانفصالاً عن غيره من المناطق. ومع استصلاح أراض زراعية اكثر خصوبة وانبساطاً تقع إلى الغرب، وبعد إدخال المكننة إلى إنتاج الحبوب، أصبحت المزرعة الصغيرة في أبالاتشي هامشية اقتصادياً بدرجة متزايدة. وحتى الطرق الشهيرة عبر المنطقة، مثل ممر كامبرلاند الواقع عند الطرف الغربي لولاية فرجينيا وطريق البيداء (ويلدرنس رود) من هناك إلى حوض بلوغراس في كنتاكي، كانت كثيرة الالتفاف وغير سالكة في بعض الأحيان.

اتبع السفر من الشرق إلى الغرب بين الساحل الشمالي الشرقي والبحيرات الكبرى (غريت لايكس) ممر موهوك وضفة بحيرة اونتاريو المنبسطة، متجنبين بذلك المرتفعات الشمالية لمنطقة أبالاتشي. لم يكن هناك أي ممر سهل على الإطلاق عبر أبالاتشي الجنوبية، والتفت خطوط السكك الحديدية حول المنطقة.

كانت منطقة أبالاتشي، وبالأخص أبالاتشي الجنوبية، بطيئة في تطوير أي نمط حضاري مهم. فقد تشاطرت جزئياً مع بقية الجنوب تشديداً على الزراعة استمر حتى وقت طويل من بدء المناطق الأخرى في البلاد بالاندفاع نحو التصنيع والعيش في المدن. وأيضاً كانت منتجات أبالاتشي قليلة، وكان الطلب على السلع والخدمات في المدن محدوداً. يضاف إلى ذلك ندرة وسائل النقل آنذاك.

وكانت إحدى النتائج الرئيسية لغياب المزارع الكبيرة او التنمية الحضرية عدم انضمام سوى عدد قليل من المهاجرين الجدد إلى أعداد المستوطنين المبكرين. مال هؤلاء الناس إلى البقاء حيث هم، ومع مرور الوقت ازداد ارتباطهم بالعائلة، والمجتمع الأهلي، والأرض. أدى هذا الجمود الإقليمي إلى نمو تميز ثقافي غير مألوف عن بقية الولايات المتحدة. فقد أصبحت أبالاتشي غير اعتيادية بصورة متزايدة بسبب بسيط هو بقاؤها كما هي.

الناس في أبالاتشي فقراء نسبياً. ففي بعض المناطق، ولا سيما في كنتاكي الشرقية، المنطقة الرئيسية لانتاج الفحم الحجري في أبالاتشي، يمكن عزو الملامة لفقر المنطقة إلى الهبوط الكبير في الطلب على العمال مع بدء مكننة استخراج الفحم الحجري في الأربعينيات من القرن العشرين.

سكان المنطقة محافظون في مواقفهم، ويرجع العديد من الكنائس البروتستانتية المحافظة جذورهم إلى أبالاتشي. وتوجد كنائس أخرى مماثلة في المناطق التي انتقل إليها سكان الجبال آخذين معهم دينهم. من الوجهة السياسية، فإن معظم المسؤولين المنتخبين هم محافظون بوضوح، رغم وجود أنواع من الفصائل الشعوبية الريفية. تغذي الروابط القوية بين أفراد العائلة والمجتمع الأهلي الصفة الريفية للمنطقة المشكلة في عزلة نسبية، والتي تربط أفرادها سوية وتخفف من مشاركتهم مع الآخرين.

يرتبط السكان في شمال أبالاتشي بوضوح اقل بكثير مع المنطقة الأوسع. يتشاركون بالتأكيد في التضاريس الجبلية وبعض مشاكل التنمية المبكرة التي ولدتها المنحدرات الحادة والتي كانت شائعة لديهم أيضاً. لكن الفقر اقل وضوحاً هنا مما هو في الجنوب الأدنى. وأيضاً، معظم المهاجرين الذين قدموا حديثاً اتبعوا خطى المستوطنين الأوائل القادمين من الشمال الغربي لأوروبا الذين جاءوا إلى المنطقة. وهذا صحيح على وجه الخصوص في بنسلفانيا وشمال وست فرجينيا، حيث جذبت صناعة تعدين الفحم الحجري العديد من المهاجرين من أوروبا الشرقية في أواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين.

لا تشبه أبداً الأنماط الثقافية العديدة في شمال أبالاتشي، حيث يُشكِّل الدين المثال الواضح، تلك السائدة في المرتفعات الجنوبية. الكنائس الأصولية اقل شيوعاً، وفي العديد من المقاطعات ولا سيما في بنسلفانيا يُشكِّل الكاثوليك وأعضاء الكنائس الأرثوذكسية الشرقية المتنوعة أكثرية السكان.

أصبحت وسائل النقل داخل أبالاتشي الشمالية بسرعة افضل بكثير مما هي في أبالاتشي الجنوبية، وذلك جزئياً لان الجبال كانت اقل استمراراً وارتفاعاً، وبالتالي اسهل اختراقاً. كما انه مع ازدهار الغرب الأوسط الأعلى، اصبح شمال أبالاتشي مركز الحزام الرئيسي للنمو التجاري والصناعي في القارة، وما لبث ان انتشرت عبر الجبال خطوط النقل التي تصل القسمين الشرقي والغربي للمنطقة الرئيسية للإنتاج الصناعي. كانت العاقبة الاقتصادية لذلك تحقيق حصول نمو أكثر داخل منطقة أبالاتشي الشمالية ولا سيما في وسط وغرب بنسلفانيا، ونيويورك بالمقارنة، مع جبال أبالاتشي الجنوبية.

الأنماط الاقتصادية والاستيطانية

الصورة العامة لجبال أبالاتشي ريفية بلا أدنى ريب. وهذا صحيح في بعض الطرق. تبلغ النسبة المئوية لسكان المدن في المنطقة حوالي نصف المعدل القومي. تصنف أكثرية السكان اما كمقيمين ريفيين او كريفيين غير مزارعين (ناس يعيشون في المناطق الريفية ولكنهم يمارسون أعمالاً في المدن). لكن الكثافة السكانية الريفية العالية في أبالاتشي لا يدعمها نظام زراعي تجاري على نطاق واسع. وبدلاً من ذلك، تُشكِّل المزارع الصغيرة والاعتماد على المعادن (وبالأخص الفحم الحجري) المفاتيح لتفسير هذه الكثافة السكانية.

أبالاتشي هي المنطقة الأميركية الأولية للمزارع التي يديرها مالكوها، حيث تقود ولايتا كنتاكي ووست فرجينيا البلاد ضمن تلك الفئة. فبدون أية محاصيل تجارية مهمة في أبالاتشي لم يحصل سوى نمو ضئيل مبكر في ملكية المزارع واستمر هذا النمط قائماً.

تبلغ مساحة المزرعة المتوسطة في أبالاتشي حوالي 40 هكتارا فقط. علاوة على ذلك، تنتج عن التضاريس الوعرة، والتربة الضعيفة، والموسم الزراعي القصير في معظم أنحاء المنطقة توفر كمية محدودة من أراضي زراعة المحاصيل وتشديد نسبي اكبر على الرعي وتربية الماشية. ولكون الحقول صغيرة المساحة وموزعة في الأودية، فالاستخدام الكفوء فيها للآلات الزراعية الكبيرة غير ممكن تقريباً. وكانت النتيجة الصافية لكل ذلك انخفاض مداخيل المزارعين. يتجه عدد كبير من المزارعين في المنطقة إلى ممارسة أعمال بدوام جزئي لتأمين مداخيل إضافية تمكنهم من البقاء في مزارعهم.

يسمى نوع الزراعة الموجود في معظم المنطقة باسم الزراعة العامة، أي لا منتج محدد او مجموعة موحدة من المنتجات هي المسيطرة على اقتصاد المزرعة. تُشكِّل تربية الحيوانات الواسعة الاستعمال الأكثر انتشاراً وربما الاستعمال الزراعي الأفضل للمنحدرات الحادة. وهناك عدد من المحاصيل، كالتبغ والتفاح والبندورة والملفوف المهمة محلياًً في بعض مناطق الأودية، مع زراعة قطع الأراضي الصغيرة بالتبغ لكونه المحصول الأكثر انتشاراً الذي يباع نقداً في أبالاتشي الجنوبية. الذرة هي المحصول الأول في المنطقة، ولكنها تستعمل عادة في المزارع كعلف للحيوانات.

توجد استثناءات مهمة لهذا النمط من الزراعة شبه الهامشية. فعلى سبيل المثال، أطلق في وقت مبكر على وادي شيناندوا في ولاية فرجينيا اسم سلة الخبز لولاية فرجينيا. ولكن المنافسة من القمح المزروع في الأراضي الخصبة المعشوشبة في عمق الجنوب والسهول الكبرى أخرجت الوادي من سوق القمح القومية في أواخر القرن التاسع عشر. ومع انه لا يزال يزرع القمح الشتوي، اصبح التبن والذرة المستعملين كعلف والتفاح المحاصيل الرئيسية للوادي، كما أصبحت تربية ديوك الحبش مهمة محلياً. منتجات الألبان وإنتاج التفاح مهمة في العديد من الأودية في بنسلفانيا الوسطى. كما ان وادي تنيسي يعتبر منطقة زراعية ذات أهمية حيث تُشكِّل محاصيل علف الحيوانات وتربية المواشي أهمية كبرى.

عبر مساحات كبيرة من أبالاتشي يُشكِّل الفحم الحجري الشريك الرئيسي للزراعة. توجد سلسلة هائلة من طبقات الفحم القاري تحت أراضي كامل هضبة اليغيني تقريباً والتي تُشكِّل مجتمعة اكبر منطقة في العالم تحتوي على مثل هذا الفحم. قامت بكشف طبقات الفحم نفس الأنهر التي خلقت من خلال تدفقها الجارف الطوبوغرافيا الوعرة للهضبة.

أصبح الفحم الحجري للمنطقة مهماً بعد وقت قصير من الحرب الأهلية الأميركية في الستينيات من القرن التاسع عشر. كان تطوير أنواع جديدة من أفران صهر الحديد والفولاذ التي تعتمد على حرق الكوك هو الذي خلق هذا الطلب لان الكوك يصنع من الفحم القاري. زودت طبقات الفحم السميكة التي اكتشفت في جنوب غرب بنسلفانيا وشمال غرب فرجينيا الوقود إلى بتسبورغ، ولاية بنسلفانيا، مما رفعها إلى وضعها الاقتصادي كمدينة الفولاذ خلال تلك الفترة. ومع تحول البلاد إلى استعمال الطاقة الكهربائية في القرن العشرين، زود الفحم المستخرج من أبالاتشي الوقود لمرافق توليد الطاقة الكهربائية المقامة في الكثير من النقاط على الساحل الشرقي، كما في قلب المنطقة الصناعية الداخلية.

بعد انقضاء القسم الأكبر لقرن من النمو، انحدرت صناعة الفحم الحجري إلى فترة تراجع ابتداءً من الخمسينيات من القرن العشرين. هبط إنتاج الفحم بعد ان حل النفط والغاز الطبيعي محل الفحم كمصدرين رئيسيين للوقود. وبين عام 1950 وعام 1960 خسرت مقاطعات عديدة تنتج الفحم ربعاً كاملاً من سكانها. وخلق الركود الاقتصادي الناجم عن ذلك، سوية مع معدل الفقر المنتشر في أبالاتشي جيوبا من المشاكل الخطيرة بوجه خاص.

واليوم، أعادت الطلبات المتنامية على الطاقة، مقرونة بالقلق المستمر حول توفر الإمدادات النفطية وثمنها، كما حول أمن الطاقة النووية، التأكيد على الحاجة للفحم في محطات توليد الطاقة الكهربائية. تستهلك محطات التوليد الجديدة للطاقة الكهربائية كميات هائلة من الفحم المستخرج محلياً من اجل إنتاج الطاقة الكهربائية التي ينقل معظم إنتاجها إلى مناطق خارج المنطقة. يتم تصدير حوالي 100 مليون طن من فحم أبالاتشي سنوياً.

يستخرج فحم أبالاتشي وفق طرق مختلفة. استعمل المنجم الآباري أو طريقة الاستخراج من باطن الأرض في بادئ الأمر، ولا تزال هذه الطريقة مهمة حتى الآن وعلى وجه الخصوص في الأقسام الشمالية من المنطقة. التقنيات الحديثة لاستخراج الفحم من تحت الأرض، حيث تستعمل حفارات نقالة ضخمة وآلات استخراج متواصلة تشق الفحم من الطبقات ثم تضعه على سيور ناقلة، لنقله إلى السطح، تُشكِّل وسيلة تؤمن إخراج أطنان من الفحم كل دقيقة من طبقة واحدة.

الاستخراج السطحي او بالتعرية، الأقل كلفة بكثير في حال كانت طبقات الفحم قريبة من السطح ازدادت أهميته إلى حد كبير. في المنطقة الوسطى (وبصورة أولية في شرق كنتاكي، في وست فرجينيا، وجنوب غرب فرجينيا) حيث يوجد أهم قسم للإنتاج اليوم، تزيل آلات كبيرة الصخور على امتداد منحدر فوق طبقة فحم ثم ترفع ببساطة الفحم المكشوف. إن عملية استخراج الفحم على امتداد عدة طبقات موجودة على منحدر وفق هذه الطريقة تخلق مظهراً خاصاً متدرجاً يبدو من بعيد كسلسلة من صناديق صغيرة مكدسة فوق بعضها ويتضاءل حجمها باستمرار.

تستخرج حوالي نصف كميات الفحم من المناجم في ولاية كنتاكي، ومعظم الكميات من مناجم ولايتي اوهايو والاباما، من الأراضي بطريقة التعرية، في حين ان معظم كميات الفحم من مناجم بنسلفانيا، وفرجينيا، ووست فرجينيا، وثلثي الكميات من مناجم أبالاتشي ككل، تستخرج من مناجم بئرية.

لم تكن أولى حقول الفحم المهمة التي اكتشفت في أبالاتشي حقول الفحم القاري في الهضبة. فقد سبق استغلالها عمليات في حقل فحم الانتراسيت الموجود في الطرف الشمالي للقمة والوادي في بنسلفانيا. فحم الانتراسيت هو فحم أكثر صلابة ولا يصدر دخاناً عند حرقه وكان مهماً في التدفئة المنزلية. كما كان فحم الانتراسيت أيضاً نوعاً رئيسياً من الوقود لصهر خام الحديد إلى ان تم في الستينيات من القرن العشرين إنتاج الكوك من الفحم القاري. أدى انخفاض استعمال الفحم الحجري في التدفئة مقروناً بعدم توفر استعمالات بديلة لفحم الانتراسيت إلى الركود الاقتصادي في منطقة إنتاج الانتراسيت. ولا يزال إنتاج الانتراسيت عند الحد الأدنى اليوم رغم بقاء احتياطات كبيرة منه.

شكل الفحم الحجري نعمة ونقمة للناس في أبالاتشي. فقد كان لمدة طويلة العماد الاقتصادي لأقسام كبيرة من المنطقة، وقد وفر الوظائف لمئات الآلاف من العمال، اما بصورة مباشرة او غير مباشرة. مع ذلك فقد لاقى عشرات الآلاف حتفهم نتيجة حوادث ناتجة عن استخراجه. أصيبت أعداد لا تحصى من العمال بمرض الرئة السوداء، الذي يحدث نتيجة سنوات عديدة من تنشق الكثير من غبار الفحم. أما استعادة الإنتاج الأخيرة التي حصلت نتيجة الاستجابة إلى طلبات السوق المتزايدة فقد حصلت بمعظمها من خلال تطبيق أنظمة مكننة على نطاق واسع. تملك معظم حقوق استخراج الفحم شركات مساهمة حصلت على هذه الحقوق في وقت مبكر وبأسعار متدنية. ورغم ان عددا من ولايات أبالاتشي فرضت رسوماً أو زادت الرسوم على الفحم المستخرج من مناجمها، تبقى الرسوم المفروضة على الفحم الحجري منخفضة، وتغادر المنطقة معظم الأرباح المحققة من الفحم الحجري.

في نشاطات أخرى لاستخراج المعادن، كانت منطقة الولايات الثلاث في جبال الاوزارك حيث تلتقي حدود كل من الولايات اوكلاهوما، وكانزاس، وميزوري لفترة طويلة منطقة رئيسية لاستخراج الرصاص. أنتجت منطقة الجنوب الشرقي لولاية ميزوري، خارج أبالاتشي، الرصاص لمدة تزيد عن 250 سنة وتبقى المناجم السطحية هناك الأكثر أهمية في أميركا. زودت ولاية ميزوري معظم كميات الرصاص الذي جرى استخراجه في الولايات المتحدة وتنتج حالياً اكثر من ثلاثة أرباع إجمالي الإنتاج القومي.

تم حفر أول بئر نفطية في الولايات المتحدة في شمال بنسلفانيا عام 1859، وقادت هذه الولاية البلاد في الإنتاج خلال معظم سنوات القرن التاسع عشر. واليوم، تزود المنطقة جزءاً صغيراً من احتياجات البلاد للنفط الخام، ولكنها تبقى منتجة مهمة لنوعيات عالية من النفط وزيوت التشحيم.

وأخيراً، تُشكِّل منطقة جنوب شرق ولاية تنيسي أهم منطقة متبقية لإنتاج الزنك في الولايات المتحدة. علاوة على ذلك، تُشكِّل عدة مناجم تحيط ببلدة داكتاون، ولاية تنيسي بالقرب من حدود ولايتي نورث كارولينا وجورجيا، المناجم المنتجة الرئيسية الوحيدة للنحاس شرق نهر المسيسيبي.

برامج التنمية الإقليمية

كما كان الحال مع الفحم الحجري، شكلت أنهر أبالاتشي نعمة ونقمة للمنطقة. كانت بعض الأنهر مهمة كطرق نقل، واستعملت طاقة المياه من جانب مطاحن الحنطة ومناشر الخشب. ولكن كان لهذه الأنهر أيضا جانب مظلم، لكونها كانت كثيرا ما تغمر الأودية الضيقة خلال فترات الأمطار الغزيرة. المرتفعات الجنوبية هي المنطقة الأكثر رطوبة من البلاد شرق ساحل المحيط الهادئ.

رغبة في التحكم بمياه إحد هذه الأنهر، وهو نهر تنينسي، تمّ تنفيذ أكبر وربما أنجح خطط التنمية في التاريخ الأميركي. جرى في الثلاثينيات من القرن العشرين تصميم خطة لتسخير مياه النهر واستعمالها لتحسين الظروف الاقتصادية لوادي تنيسي بكامله وبالنتيجة عهد إلى هيئة وادي تنيسي (TVA) مهمة تطوير نهر تنيسي للملاحة. واليوم توجد قناة للصنادل بعرض ثلاثة أمتار في أعالي النهر حتى نوكسفيل، بولاية تنيسي.

يمكن اعتبار معظم النشاطات الأخرى لهيئة وادي تنيسي على انها امتدادات منطقية للالتزام الأولي. شمل تطوير الملاحة إنشاء او شراء مجموعة من السدود لتأمين تدفق مياه النهر وتخفيض الفيضانات. وطالما بقيت السدود قائمة هناك، كان من الطبيعي ان تشمل معها مرافق لتوليد الطاقة من المياه. واليوم تملك معظم السدود التي يتجاوز عددها 30 سداً والتي تديرها هيئة وادي تنيسي والمقامة على نهري تنيسي وكنتاكي مرافق لتوليد الطاقة. تنتج نسبة حوالي 80 بالمئة من الكهرباء من المرافق التي تديرها هيئة وادي تنيسي من محطات حرارية تشمل 10 محطات تعمل بالفحم الحجري، وعدة مرافق تعمل بالطاقة النووية. تستعمل هيئة وادي تنيسي حوالي 50 مليون طن من الفحم الحجري سنوياً وهي اكبر مستخدم لفحم أبالاتشي.

جذبت الكهرباء المنخفضة الثمن إلى الوادي بضع صناعات تستهلك الطاقة بكثافة، تشمل مرفقا كبيرا لتصنيع الألمنيوم في جنوبي مدينة نوكسفيل. أنشئ أول مرفق لأبحاث الطاقة النووية في أوك ريدج، غرب نوكسفيل، جزئياَ بسبب توفر كميات كبيرة من الطاقة هناك. تُشكِّل نوكسفيل وتشاتانوغا والمدن الثلاث، بريتسول، جونسون سيتي، وكينغسبورت مراكز تصنيع ذات شأن. أصبحت هيئة وادي تنيسي أيضاً مطورة رئيسية ومنتجة للأسمدة الاصطناعية، وهي صناعة تستهلك الطاقة بكثافة.

أطلقت هيئة وادي تنيسي بالإضافة إلى السدود برنامجاً رئيسياً لمساعدة المزارعين في الوادي على السيطرة على انجراف التربة في المزارع. كان الهدف احتجاز جزء من مياه الفيضان في المزرعة وإبطاء معدل امتلاء البحيرات بالطمي.

بالإضافة إلى الماء بحد ذاته، تملك الهيئة 5200 ألف هكتار من الأراضي على امتداد أقسام من الأنهر. جرى تطوير مناطق رئيسية عامة للاستجمام على جزء من هذه الأراضي، وأصبحت المنطقة الآن مرفق استجمام هام.

في العام 1965، أصدر الكونغرس قانون إعادة تطوير أبالاتشي الذي أوجد اللجنة الإقليمية لمنطقة أبالاتشي (ARC) وعهدت اليها مسؤولية منطقة تمتد من ولاية نيويورك إلى ولاية الاباما وأنفقت عدة بلايين من الدولارات لتنفيذ برنامج لتحسين اقتصاد المنطقة. وكان اندفاعها الأساسي لتحسين الطرق العامة في أبالاتشي على أمل ان ذلك سوف يقلص عزلتها ويشجع شركات التصنيع على العمل في المنطقة.

وأدى نشاط حكومي إضافي، هو نظام الإبحار في نهر اركنسو الذي أنشئ خلال الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين وافتتح في العام 1971، إلى إنشاء قناة إبحار بعرض ثلاثة أمتار في اعلى نهر اركنسو من نقطة التقائه مع نهر مسيسيبي إلى كاتوسا، ولاية اوكلاهوما، في اسفل المجرى مباشرة من مدينة تولسا. كانت النتيجة زيادة في حركة الشحن بواسطة الصنادل النهرية وإنتاج طاقة كهرومائية من السدود العديدة التي أنشئت لتأمين استقرار تدفق مياه النهر.

والآن، ماذا بشأن مستقبل المنطقة؟ من المؤكد انه ليس من المتوقع ان تصبح أبالاتشي والاوزارك جزءاً من قلب الإنتاج الصناعي الأميركي، والقليل من الناس القاطنين في تلك المناطق يرغبون بذلك. رغم ذلك، هناك إحساس بالتغيير. شهدت أجزاء من المرتفعات الجنوبية في ولايات جورجيا، ونورث كارولينا وساوث كارولينا، وتنيسي، ازدهاراً في إنشاء المرافق الاستجمامية وبناء المساكن الثانية للعائلات. وهناك منتجعات للأثرياء في ولايتي كارولينا الشمالية وفرجينيا وفي جبال الاوزارك وواشيتا. أما نمط الهجرة الطويلة الأمد من المنطقة فقد تقلص رغم أنه لم يتوقف بالكامل، وضاقت الفجوة بين مستويات الدخل الفردي في المناطق وباقي الولايات المتحدة. فمن الوجهة الاقتصادية، ربما كان الأسوأ قد انقضى.

[ستيفن اس. بيردسال عميد كلية الآداب والعلوم في جامعة نورث كارولينا في تشابل هيل. يحمل شهادة ماجستير وشهادة دكتوراه في الجغرافيا من جامعة ولاية مشيغان وهو أحد مؤلفي أربعة كتب وأطالس جغرافية، بضمنها الآداب الطبيعية الإقليمية للولايات المتحدة وكندا.]

[جون فلورين رئيس دائرة الجغرافيا في جامعة نورث كارولينا في تشابل هيل. يحمل شهادة ماجسيتر وشهادة دكتوراه في الجغرافيا من جامعة ولاية بنسلفانيا. تشمل مؤلفاته الأخيرة، أطلس الزراعة الأميركية: الوفرة الأميركية، مع ريتشارد بيلزبوري والمشاهد الطبيعية الإقليمية للولايات المتحدة وكندا مع ستيفن اس. بيردسال].