DCSIMG
Skip Global Navigation to Main Content
المطبوعات

الأسرار الأربعة للابتكار

12 تشرين الثاني/نوفمبر 2009
العالمة ستيسي ريد تعمل في فلوريدا لدى شركة بترو ألجي، التي تطرح في السوق تكنولوجيا لإنتاج النفط من الطحالب.

العالمة ستيسي ريد تعمل في فلوريدا لدى شركة بترو ألجي، التي تطرح في السوق تكنولوجيا لإنتاج النفط من الطحالب.

العلماء ورجال الأعمال أصبحوا يتعلمون أكثر من أي وقت مضى كيفية التعاون في سبيل الابتكار. ألِكس سوجونغ – كيم بانغ، هو مدير الأبحاث في مؤسسة المستقبل، وزميل مشارك في كلية سعيد للأعمال في جامعة أكسفورد، وأستاذ زائر في برنامج التاريخ وفلسفة العلوم والتكنولوجيا في جامعة ستانفورد.

بقلم ألِكس سوجونغ – كيم بانغ

في إقتصاد اليوم العالمي الذي يستحوذ عليه الابتكار والمعرفة المكثفة، قد يبدو من المفاجئ أنه لم تكن هناك صلة بين العلوم والأعمال، خلال معظم تاريخهما الطويل تقريباً. لو اقترحتم على صائغ فضة يعمل في الصين القديمة، أو قبطان يمارس تجارة التوابل خلال عصر الاكتشافات، أو عضو في طائفة الكويكرز يصنع الجعة في فيلادلفيا القرن الثامن عشر، ان العلوم قد تحسن التجارة، سوف ينظر هؤلاء إليكم كما لو كنتم مجانين. حتى في يومنا هذا، فإن وصف العلاقة بين العلوم والأعمال، وتصوّر كيفية جعل العلوم والسياسة الصناعية يعملان معاً لفائدة الفريقين، لا زال يُشكِّل تحدياً.

المهمة صعبة بسبب أمرين. أولاً، العلوم والأعمال كلاهما هدفان متحركان، ولذا فان ما يفيد أحدهما قد لا يكون مناسباً للآخر: فمختبرات الأبحاث والتنمية (R&D) الهائلة لدى الشركات الكبرى التي تقدم تحسينات تدريجية في الصناعات الناضجة ربما قد تغرق في الأسواق الناشئة التي تتميز بسرعة الحركة. ثانياً، الأفكار والمواهب العلمية لا تعمل على غرار المُدخلات الاقتصادية الأخرى: فمن الصعب السيطرة عليها واحتكارها، وبالتالي، فقد كان من الصعب إعطاء صفة مميزة للروابط بين العلوم والصناعة، كما أن التحديد الكمي لفوائد العلوم الاقتصادية كان أصعب مما قد يتوقعه المرء.

وفي حين يوجد العديد من الأمثلة عن علماء اخترعوا أشياء ذات فوائد تجارية، مثل تلسكوب غاليليو وقضيب بنجامين فرانكلين الواقي من الصواعق، إلا أن العلوم لم تساهم كثيراً في مجال الأعمال لغاية ولادة الصناعات الكيميائية والكهربائية في القرن التاسع عشر. كانت هذه المجالات هي الأولى التي تمكّن العلماء، الذين يسترشدون في عملهم بآخر النظريات والتجارب، من تقديم مساهمات ذات أهمية أكبر من أصحاب الحرف اليدوية العاملين، وفق أساليب القياس بالإبهام أو التجربة والخطأ. بحلول نهاية القرن، كان عدد قليل من الشركات، مثل دوبون، وأي إي جي، وجنرال إلكتريك قد أنشأ مختبرات أبحاث وتجارب خاصة بها لأجل دعم تطوير منتجات جديدة وحل المشاكل التي تواجهها جراء الأنظمة التكنولوجية المتنامية باستمرار. تطوير البنسلين، والرادار، والطائرات النفاثة، والقنبلة الذرية خلال الحرب العالمية الثانية أظهر بشكل قاطع انه بالإمكان استغلال العلوم للحصول على أفضليات تنافسية. بعد الحرب، أنشأت معظم الشركات الكبرى مختبرات أبحاث وتنمية، كما ان بعضها، مثل نظام مختبرات شركة بِلّ، قام بتوظيف آلاف الناس.

لكن حتى في ذلك العصر الذهبي للأبحاث والتنمية لدى الشركات الكبرى، لم يكن من الواضح دائماً كيف تساعد العلوم في تحقيق الأرباح النهائية. كانت المختبرات بحاجة إلى شيء من الاستقلالية للقيام بأبحاث جيدة، لكن كان من الصعب دوماً نقل الاكتشافات إلى خطوط الإنتاج. في بعض الحالات الشهيرة، رعت الشركات الأبحاث التي حطمت النماذج القائمة لكنها لم تتمكن من تحقيق الأرباح منها: طوّر مركز بالو آلتو للأبحاث التابع لشركة زيروكس (PARC) أول أجهزة الكمبيوتر الشخصية، لكن عندما لم تتمكن زيروكس من التفكير بما ستفعل بها، انتقل العديد من المهندسين الرئيسيين في مركز بالو آلتو للأبحاث إلى شركة آبل كمبيوتر ومشروعها كمبيوتر ماكنتوش. (ولكن للحقيقة وللاعتراف بفضلها، فإن زيروكس انكبت على تطوير الطباعة بالليزر، التي تم تطويرها في الوقت نفسه في مركز بالو آلتو، حيث حققت بلايين الدولارات بفضل هذه التكنولوجيا).

وفي الحقيقة أن الكمبيوتر الشخصي ساعد في دفع عجلة عهد جديد من الابتكارات في كل من العلوم والأعمال. فإلى جانب الانترنت، وأجهزة الاستشعار الرخيصة، وبرمجيات المصدر المفتوح، وعلم الموائع المصغرة المستخدمة في أنظمة "مختبرات الرقائق الإلكترونية" الرخيصة الثمن، والتكنولوجيات الأخرى، خفّض الكمبيوتر الشخصي كلفة التكنولوجيا العالية الأداء، وأتاح للشركات المنطلقة حديثاً القيام بأبحاث متطورة جداً، وحوّل العلوم إلى قوة أعمال ماحقة خارج نطاق سيطرة إستراتيجيات الشركات الكبرى أو السياسات الحكومية. توحي الأمثلة مثل مركز بالو آلتو للأبحاث بأنه من الأفضل للشركات دعم مشاريع تطبيقية أضيق من رعاية أبحاث مفتوحة قد تفيد، في نهاية المطاف، المتنافسين. ان ما هو صحيح بالنسبة للشركات ينسحب على البلدان أيضاً: الصين تنفق أقل بكثير على الأبحاث والتنمية من الولايات المتحدة، لكن الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات لا تستطيع بناء مختبرات الأبحاث والتنمية في الصين بالسرعة الكافية.

يبدو إذن وكأننا ندخل عصراً جديداً تكون فيه العلوم أكثر أهمية بالنسبة للابتكار من أي وقت مضى، لكن بات من الصعب أكثر توقع نتيجتها والاستفادة منها: ففي عصر يثمن الابتكار، تواجه الشركات والبلدان وقتاً أصعب من أي وقت مضى في تشجيع العلوم والاستفادة منها.

لكن هل يعني ذلك ان سياسة العلوم باتت الآن مستحيلة؟ لا، بكل تأكيد، كما ان المناطق والبلدان الناجحة تعلّمت عدة أسرار.

الاعتبارات الثقافية

السر الأول والأكبر هو أنه لا وجود لعلاقة خطية أفقية بسيطة بين العلوم والأعمال. ففكرة أن الاكتشافات في العلوم البحتة تقود بشكل لا مفر منه إلى التقدم في العلوم التطبيقية، والتي تقود بدورها إلى تكنولوجيات وأعمال جديدة، هي فكرة خاطئة. فنقل الأفكار من المختبر إلى حجرة الجلوس في المنزل ليس عملية ميكانيكية، بل هي عملية إنسانية. وهي تتطلب مترجمين ووسطاء قادرين على مساعدة مطوري المنتجات والشركات في رؤية الإمكانيات التجارية للأفكار الجديدة. وكثيراً ما تتطلب المستثمرين ورجال الأعمال الخاصة القادرين على إنشاء منظمات لدعم الأبحاث المتطورة جداً وتطوير المنتجات. كما تتطلب شركات قادرة على تصنيع وتوزيع وتسويق المنتجات الجديدة. استثمر العديد من البلدان في الجامعات وفي الأبحاث الأساسية متوقعين إنشاء بعض المردود المباشر. وفي الواقع، على صنّاع السياسة التفكير على أساس بناء البنى التحتية والثقافات.

ثقافات الابتكار المبنية جيداً لا تكتفي بمجرد دعم الابتكار، إنما توفر لها الجذور. وهذا هو السر الثاني: ففي حين يمكن للمعرفة العلمية ان تكون متحركة، إلا ان الأعمال التي تدفعها العلوم كثيراً ما تكون متجذّرة في رحم غني من الثقافة المحلية والمهارات الحرفية. المناطق الأذكى لا تكتفي بمجرد محاولة إنشاء مراكز عالمية للنانوتكنولوجيا أو الطاقة البديلة أو علم الاحتساب الكَمْي. فهذه المشاريع المغامرة لا تكون مكلفة بصورة مفرطة وحسب، بل ان مجموعات البحاثة المنظمين حول علماء بارزين كبار يمكنهم الانتقال إلى مكان آخر عندما يأتيهم العرض الأفضل التالي. فبدلاً من السعي وراء نموذج عام للعظمة، يضع صُنّاع السياسة المحنكّون رهانات ذات أهداف أكثر تحديداً تربط الأبحاث المتطورة بالمهارات المحلية.

تبرز الدنمارك، مثلاً، كمركز طليعي للاستخدام المنتشر للكمبيوتر. لماذا؟ إن حقل الاستخدام الاتشاري للكمبيوتر – الذي يدرُس كيف يمكن جعل الكمبيوتر أكثر إفادة عن طريق تضمينه في الاشياء اليومية – يعمل عند التقاطع بين مجالات الإلكترونيات، والبرمجيات، وعلم النفس، والهندسة البشرية. هذا حقل يتطلب معرفة عميقة حول كيفية استخدام الناس للتكنولوجيا، وقد وجد العلماء الدنماركيون تلك المعرفة لدى مجتمع التصميم ذي المستوى العالمي الموجود في البلاد.

بطريقة مماثلة، تعيد منطقة سيليكون فالي ابتكار نفسها كمركز للطاقة البديلة عن طريق البناء على تجاربها الطويلة في تصميم البطاريات. هذا الحقل ليس جذاباً، لكن المعرفة المطلوبة لجعل أجهزة الكمبيوتر المحمولة تعمل نصف ساعة أكثر يمكنه أن يوفر للسيارة الكهربائية لشركة تسلا موتورز الناشئة ميزة حاسمة. وهذا يوحي، بالنسبة لصُنّاع السياسة، أنه من الضروري رعاية الصناعات التي تعتمد على المهارات الموجودة. فهذا لن يجعل الشركات الجديدة أكثر تميزاً وأصعب سرقة وحسب، بل يمكن أيضاً ان يفيد الصناعات الموجودة.

ما بعد المختبرات

السر الثالث هو أن ترجمة الاكتشافات العلمية إلى منتجات تحتاج الى موهبة فريدة. فالعلوم والأعمال مسعيان مختلفان تماماً، ينطويان على مهارات وحوافز مختلفة. فإذا كانا سيعملان معاً بنجاح، فان كل واحد منهما يحتاج إلى استقلاليته. العالم الجيد البارع في ترتيب المنح ومجموعات الباحثين لن يحسن العمل بصورة تلقائية في السوق. فمن ناحية اولى، أن الدافع الذهني الضروري للعمل طيلة سنوات على حل مشاكل عسيرة يختلف عن المهارات المعرفية الضرورية لبناء شركة.

لكننا كثيراً ما نخفق في إدراك أن الاكتشافات الجديدة لا تُترجم بسهولة إلى منتجات جديدة. مثلاً، باحثو "التكنولوجيا الخضراء" الناجحون أصبحوا يكتشفون أن وضع تصميم جديد للتوربين الهوائي أو اكتشاف مادة فوتوفولتية بالغة الفعالية لن تغيّر العالم ما لم نتصوّر كيف نوفق بين هذه الاكتشافات ومرافق البنى التحتية القائمة، ونرضي هواجس منظمي السلامة، ونخفض تكاليف التصنيع، ونقنع المستهلكين بأن عناء تبديل التكنولوجيات يستحق ذلك. هذا النوع من نشاط البناء الترجمي للأنظمة يشكل موهبة بحد ذاته، ويتطلب أناساً قادرين على التحرك بين عالمي العلوم والأعمال، وتحديد الفرص، وبناء الشبكات التي تحول الأفكار إلى تكنولوجيات مبتكرة.

السر الرابع هو أن الترابط بين العلوم والأعمال لا زال يتنامى. حتى زمن قريب، كان للعلوم أثر كبير في التصنيع وتطوير المنتجات، لكن أثرها في حقول مثل الموارد البشرية كان أقل. الآن بدأت العلوم تحقق إختراقات جدّية في مجالات جديدة. الأدوات الجديدة في علوم الأعصاب، وعلى الأخص تكنولوجيا تصوير الدماغ مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) ،أصبحت تسمح لنا برؤية الدماغ وهو يتخذ القرارات، وينظر إلى الإعلانات أو يجيب على حوافز أخرى.

الكميات الهائلة من البيانات التي تولدها نشاطات المستخدم على مواقع الانترنت، مثل أمازون دوت كوم، أصبحت تتيح للعلماء رسم نموذج أكثر دقة لسلوك حشود الناس وأذواقها. لقد شهدت وول ستريت تدفقاً من علماء الفيزياء وعلماء الرياضيات المتقدمة وهم يطبقون النظريات العلمية المبهمة لإنشاء نموذج عن المخاطر المالية. يسمح تطوير نماذج جديدة للمناخ وأدوات المحاسبة تقدير تكاليف وفوائد برامج قابلية الاستدامة للشركات بإجراء تقدير أفضل لكيفية تأثير التحول إلى الأخضر على أرباحهم النهائية.

أخيراً، تطور شركات أعمال قليلة عمليات ابتكارية تستند إلى الطريقة التي تعمل بها العلوم. حركة الابتكار المنفتح، مع تشديدها على مشاطرة الموارد الفكرية الجوهرية، وتشجيع التعاون بين الشركاء المنتشرين بعيداً، ومكافأة المساهمين بصورة غير رسمية، تبدو إلى حد كبير على أنها تُشكِّل مجتمعاً علمياً.

علاقات معقدة

التحدي بالنسبة للشركات والبلدان إذن، هو الاستثمار في مشاريع الأعمال التي تجمع بين العلوم المتطورة والموارد الثقافية المحلية، وبناء الروابط بين العلوم والأعمال مع ترك كل واحد منها يزدهر والاستفادة من العلوم الناشئة القادرة على مساعدة الصناعات في تفهم السلوك البشري بصورة أفضل، ورؤية الأثر الطويل الأمد للسياسة والإستراتيجية، وتطوير عمليات أعمال جديدة.

العلاقة بين العلوم والإعمال لم تكن أبداً بسيطة. إنها تصبح اليوم أكثر تعقيداً ومتعددة الوجوه، وخلال هذه العملية، أكثر تحقيقاً للأرباح، هذا إذا عرفتم أسرارها.

الآراء الواردة في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسة الحكومة الأميركية.

عمال شركة تسلا موتورز يجمعون سيارة من نوع الرودستر تسير بمحرك كهربائي، في سيليكون فالي، وهو المكان الذي يمتلك خبرة طويلة في تصميم البطاريات.

عمال شركة تسلا موتورز يجمعون سيارة من نوع الرودستر تسير بمحرك كهربائي في سيليكون فالي وهو المكان الذي يمتلك خبرة في تصميم البطاريات.

  • الكلمات الرئيسية: