DCSIMG
Skip Global Navigation to Main Content
المطبوعات

الوفاء بوعد الحرية الدينية

01 أيار/مايو 2008
افتتح هذا المعبد في مينيسوتا سنة 2007 لخدمة أتباع البوذية الكمبوديين في المنطقة.

افتتح هذا المعبد في مينيسوتا سنة 2007 لخدمة أتباع البوذية الكمبوديين في المنطقة.

ديانا إل. إيك

تشكل الحرية الدينية وفصل الدين عن الدولة مبدأين من المبادئ التي تشكل الأسس الوطيدة التي تقوم عليها الولايات المتحدة. وقد كانت الأغلبية الساحقة من الأميركيين من أتباع الديانة المسيحية لدى تأسيس الجمهورية منذ قرنين ونيّف. ولكن الولايات المتحدة أصبحت في الفترة التي انقضت منذ ذلك الحين، كما توثّق كاتبة هذا المقال في كتابها الذي يحمل عنوان "أميركا جديدة متدينة"، المجتمع الأكثر تنوعاً دينياً في العالم، خاصة خلال العقود الأخيرة.

ديانا إل. إيك هي أستاذ الدين المقارن والدراسات الهندية في كلية الآداب والعلوم، وعضو في هيئة التعليم في كلية اللاهوت في جامعة هارفارد في كامبردج، بولاية مساتشوستس.

ترتفع قبة الجامع البيضاء العملاقة بمآذنها من حقول الذرة قرب توليدو، بولاية أوهايو. ويستطيع المرء أن يرى تلك القبة أثناء مروره بسيارته بمحاذاة تلك الحقول في الطريق السريع العابر للولايات. وثمة معبد هندوسي ضخم مزيّن بأفيال ناتئة على أبوابه قائم على تل في الضواحي الغربية لمدينة ناشفيل في ولاية تينيسي. وهناك معبد بوذي كمبودي ودير يحمل سطحه مسحة من أشكال سطوح جنوب شرق آسيا، مقام في الأراضي الزراعية بجنوب مينيابوليس في ولاية مينيسوتا.

تغيرت خريطة أميركا الدينية بشكل جذري خلال الأربعين سنة الماضية، وهو تغير متدرّج لكنه هائل في الوقت نفسه. وقد بدأ الأمر "بالهجرة الجديدة" التي حفز عليها قانون العام 1965 للهجرة والتجنيس، حين بدأ الناس يفدون من جميع أرجاء العالم إلى الولايات المتحدة ليصبحوا مواطنين أميركيين. ووصلت معهم معتقدات العالم الدينية: الإسلامية، والهندوسية، والبوذية، واليانية، والسيخية، والزرادشتية، والأفريقية، والأفرو كاريبية. وقد انتقل أتباع هذه الديانات إلى الأحياء الأميركية بتردد في بادئ الأمر، وأقاموا مذابحهم ومصلياتهم في أول الأمر في غرف مخازن على مستوى الشارع وفي أبنية تجارية مخصصة للمكاتب، وفي مرائب السيارات وفي الأدوار الواقعة تحت الأرض، بحيث كانت شبه محجوبة عن أعين غيرهم من الأميركيين. لكن وجودهم أصبح واضحاً للعيان منذ تسعينات القرن الماضي. وفي حين أنه لم يشاهد مسجد توليدو أو معبد ناشفيل كل أميركي، إلا أن الذين لم يشاهدوهما يشاهدون أمكنة تشابههما في مجتمعاتهم المحلية. وتشكل هذه الأماكن السمات المعمارية لهيكلية دينية جديدة في الولايات المتحدة.

والأميركيون يعرفون، على سبيل المثال، أن الكثير من أطباء الأمراض الداخلية والجراحين والممرضين هم من أصول هندية، لكنهم لم يتوقفوا للتفكير بأن لهؤلاء الأخصائيين في الصحة حياتهم الدينية الخاصة أيضا، وبأنهم قد يتوقفون في الصباح للصلاة أمام مذبح في بيوتهم، أو أنهم قد يحضرون الفاكهة والورود إلى معبد شيفا فيشنو، وأنهم قد يشكلون جزءاً من مجموعة من السكان الهندوس المتنوعين الذين يزيد عددهم على المليون نسمة. ونحن نعرف بأمر هجرة اللاتينو من المكسيك ومن أميركا الوسطى وندرك وجود عدد كبير من السكان الناطقين باللغة الإسبانية في مدننا، إلاّ أننا قد لا نكون مدركين ما لهذا الأمر من تأثير عميق على الديانة المسيحية الأميركية، الكاثوليكية والبروتستانتية على حدٍ سواء، ابتداءً من إنشاد التراتيل الدينية وحتى الأعياد والاحتفالات الدينية.

تعددية هائلة

يقول المؤرخون إن الولايات المتحدة كانت على الدوام أرضاً ذات أديان متعددة. فقد كانت هناك تعددية دينية واسعة موجودة أصلاً بين السكان الأصليين، حتى قبل مجيء المستوطنين الأوروبيين إلى هذا البلد. وما زال التنوع الواسع في الطقوس الدينية قائماً حتى يومنا هذا بين السكان الأصليين، بدءاً من قبيلة بيسكاتاواي في ولاية ماريلاند، وحتى قبيلة بلاك فيت في ولاية مونتانا. كما كان للناس الذين قدموا من أوروبا عبر المحيط الأطلسي هم أيضاً معتقداتهم الدينية الخاصة، الإسبان والفرنسيون الكاثوليك والبريطانيون الكوايكرز والأنغليكانيون واليهود والهولنديون من أتباع الكنيسة الإصلاحية الهولندية التي انبثقت عن الحركة البروتستانتية الإصلاحية في أوروبا، وهو تنوع استمر في الازدياد والتوسع عبر القرون. وكان الكثير من الأفارقة الذين تم نقلهم إلى هذا البلد عبر تجارة الرقيق من المسلمين، في حين حمل الصينيون واليابانيون الذين قدموا للبحث عن نصيبهم من الثروة في مناجم الغرب وحقوله الزراعية، خليطاً من المعتقدات البوذية، والطاوية، والكونفوشية. كما وصلت إلى الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر أعداد كبيرة من اليهود من أوروبا الشرقية والكاثوليك من إيطاليا وإيرلندا. كما أتى المهاجرون، المسلمون والمسيحيون على حدٍ سواء، من منطقة الشرق الأوسط. وأتى البنجابيون من شمال غرب الهند في العقد الأول من القرن العشرين، وكان معظمهم من طائفة السيخ الذين استوطنوا في كاليفورنيا، وبنوا الغوردوارات (معابد السيخ) الأولى في أميركا، وتزوجوا بنساء مكسيكيات، فخلقوا بذلك ثقافة فرعية جديدة سيخية إسبانية غنية. وتُشكِّل قصص جميع هؤلاء الناس جزءاً مهماً من تاريخ الهجرة في أميركا.

إلاّ أن المهاجرين الذين قدموا في العقود القليلة الماضية وسّعوا التنوع في حياتنا الدينية بدرجة هائلة. البوذيون أتوا من تايلندا وفيتنام وكمبوديا والصين وكوريا. أما الهندوس فقد أتوا من الهند وشرق إفريقيا والترينيداد. والمسلمون أتوا من إندونيسيا وبنغلادش وباكستان، والشرق الأوسط، ونيجيريا. والسيخ واليانيون جاؤوا من الهند. والزرادشتيون وفدوا من كل من الهند وإيران. وقد أحضر المهاجرون القادمون من هاييتي وكوبا معهم المعتقدات الأفريقية الكاريبية، فدمجوا الشعارات والرموز والصور الأفريقية والكاثوليكية معا. ووصل مهاجرون يهود جدد من روسيا وأوكرانيا، وقد باتت بذلك التعددية الداخلية للديانة اليهودية في أميركا متنوعة أكثر من أي وقت مضى. كذلك، فإن وجه الديانة المسيحية الأميركية تغيّر أيضاً بسبب الأعداد الكبيرة من الأميركيين المتحدرين من دول أميركا اللاتينية ومن الفليبينيين والفيتناميين من أتباع الكنيسة الكاثوليكية، والصينيين والهاييتيين والبرازيليين من أتباع كنيسة العنصرة، والكوريين من اتباع الكنيسة المشيخية (البرسبتيرية)، والهنود من أتباع مار توما، والمصريين المسيحيين الأقباط. وفي كل مدينة في هذا البلد، نجد لافتات الكنائس التي تشير إلى أوقات لقاءات الرعية الكورية أو اللاتينية، التي أصبحت تهجع ضمن جدران ما كان سابقاً الكنائس الكاثوليكية والبروتستانتية القديمة في المدن.

خلال العقود القليلة الماضية، غيّرت حركات الهجرة الهائلة للبشر المؤلفة من المهاجرين واللاجئين على حدٍ سواء، ديموغرافيات الكرة الأرضية. فأعداد المهاجرين حول العالم زادت عن 190 مليوناً خلال العام 2005، وفقاً لإحصاءات المنظمة العالمية للهجرة، بينهم حوالى 45 مليوناً في أميركا الشمالية. والصورة الدينامية العالمية المتغيرة باستمرار لأيامنا الحاضرة لا تُشكِّل ما سميّ بصدام الحضارات بل "تمازج" الحضارات والشعوب، ذلك التمازج الذي يشبه تداخل العروق في حجر الرخام. وتماماً كما أوجدت نهاية الحرب الباردة وضعاً جيو-سياسياً جديداً، فإن الهجرات البشرية العالمية خلقت حقيقة جيو-دينية جديدة. فالهندوس، والسيخ، والمسلمون يشكلون الآن جزءاً من الخريطة الدينية في بريطانيا، والجوامع باتت الآن عنصراً ثابتاً في باريس وليون، وكذلك المعابد البوذية في تورونتو، وغوردوارات السيخ في فانكوفر. إلا أنه لا يوجد أي مكان في العالم أجمع، حتى في الوقت الحاضر المتميز بالهجرات الكثيفة، يتسم بمثل ما تتسم به الولايات المتحدة من التنوع الواسع في المعتقدات الدينية. وهذا واقع جديد مدهش، لم يسبق لنا أن شهدنا مثله من قبل.

تحدي فكرة المجتمع كمجموعة متجانسة

يختلف العصر الجديد للهجرة عن العصور التي سبقته إن كان لناحية الضخامة، أو التعقيد، أو لناحية دينامياته نفسها. فالعديد من المهاجرين الذين يفدون إلى الولايات المتحدة اليوم يحافظون على روابط قوية مع أوطانهم الأصلية، سيما وأنهم يقيمون الصلات والروابط بسهولة مع تلك الأوطان عن طريق السفر، والبريد الإلكتروني، والهواتف الخلوية، وأنباء التلفزيونات الكبلية. وهكذا يستطيعون العيش هنا وهنالك في آنٍ واحد. فما الذي ستؤول إليه فكرة ورؤيا أميركا بعد أن صار مواطنوها، القدامى منهم كما الجدد، يعتنقون مثل هذا التنوع؟ ومن هم هؤلاء الناس الذين نعنيهم عندما نقوم بالاستشهاد بالكلمات الأولى للدستور الأميركي، "نحن شعب الولايات المتحدة الأميركية"؟ من هم هؤلاء الـ"نحن"؟ إن هذا يُشكِّل تحدّياً للمواطنية، بكل تأكيد، لأنه يتعلق بالجماعة الأهلية ذات التنظيم الواحد والمصالح المشتركة التي نتصورها والتي نعتبر أنفسنا جزءاً منها. كما أن هذا الأمر يُشكِّل تحدياً للمعتقد، حيث أن الناس من أتباع أي دين، يعيشون اليوم في مجتمعات مع جماعات تدين بديانات مغايرة لدينهم، إن كان ذلك حول العالم قاطبة، أم عبر الشارع.

وعندما يغدو أطفالنا على صداقة وثيقة مع المسلمين من رفقاء صفهم الدراسي، وعندما يقوم هندوسي بترشيح نفسه لمقعد في لجنة المدرسة، يصبح لدينا جميعاً اهتمام مكتسب جديد بجيراننا، سواء من ناحية كونهم مواطنين، أم من ناحية كونهم أصحاب معتقد ديني.

ومع ابتداء القرن الجديد وتقدمه، يواجه الأميركيون التحدي المتمثل في قدرتهم على الوفاء بعهد الحفاظ على الحريات الدينية الأساسية جداً لفكرة وصورة الولايات المتحدة ذاتها. لقد كانت الحرية الدينية تفسح المجال دوماً أمام قيام التنوع الديني، ولم يكن تنوعنا دراماتيكياً على الإطلاق إلى نفس الحد الذي نشهده الآن. ولا بد أن يقتضي هذا منا أن نعيد استخلاص أعمق المعاني للمبادئ التي نعتز بها، وأن نخلق مجتمعاً تعددياً أميركياً حقيقياً لا تكون فيه هذه التعددية الكبيرة مجرد أمر نتحمله ونتعايش معه فحسب، بل وأيضاً تصبح فيه هي ذاتها مصدر قوة مجتمعنا نفسه. ولكي نفلح في ذلك، علينا جميعاً أن نعرف المزيد عن بعضنا البعض وأن نُصغي إلى الطرق التي يعبّر فيها سوانا من الأميركيين الجدد عن عبارة "نحن"، وكيف يسهمون في صوت أميركا وروحها.

لم يكن بمقدور صائغي الدستور ووثيقة تصور المدى التي ستبلغه هذه التعددية الدينية في الولايات المتحدة في بداية القرن الحادي والعشرين. لكن المبادئ التي عبّروا عنها في الوثيقتين، أي "عدم إقامة" دين للدولة، و"حرية ممارسة" الشعائر الدينية، وفّرت بوصلة ثابتة ترشدنا إلى المسار الصحيح خلال القرنين الماضيين في الحين الذي كان فيه تنوعنا الديني يتسع. وقد بدأت الولايات المتحدة الآن تعتنق وتؤكد ما لم يتخيله واضعو الدستور لكنهم جهزوا الدولة لاعتناقه.

ولم يكن الدين في أي يوم من الأيام منتجاً جاهزاً تماماً يوضّب ويسلم وينتقل من جيل لآخر دون أن يُمسّ. وفي حين أن البعض من أتباع كل دين يُفكر بدينه على هذا النحو، مصرّاً على أنه ما من أمر لم يذكر في نصوص دينه المقدسة وتعاليمه وشعائره. لكن حتى جولة بسيطة عبر التاريخ، تُبرهن لنا أن هذا البعض على خطأ. فتقاليدنا الدينية متحركة وليست ساكنة، وهي متبدلة وليست جامدة، وهي أشبه بالأنهار منها بالنصب التذكارية. والولايات المتحدة في هذه الأيام أمست مكاناً مثيراً لدراسة التاريخ الديناميكي للأديان الحيّة أصبحت فيه البوذية ديناً أميركياً مميزاً، وأصبح فيه المسيحيون واليهود يلتقون مع البوذيين ويعبرون عن عقيدتهم الدينية بشكل جديد نتيجة لهذا اللقاء، أو أنهم ربما يبدأون في فهم ذاتهم على أساس أنهم جزء من تقاليد الديانتين معاً. وأصبح على أتباع الفلسفة الإنسانية والعلمانيين وحتى الملحدين إعادة التفكير في مجموعة مفاهيمهم الشمولية حول الحياة والعالم ضمن سياق الواقع الديني الأكثر تعقيداً. ففي صورة يتوفر فيها وجود هندوسي يؤمن بتعدد الآلهة وبوذي لا يؤمن بآلهة محددة، ربما أصبح على الملحدين أن يكونوا أكثر تحديداً حول أي نوع من "الإله" هو ذاك الذي لا يؤمنون بوجوده.

وكما أن تقاليدنا الدينية متحركة غير جامدة، كذلك هي فكرة الولايات المتحدة بالذات. فشعار الجمهورية E pluribus unum الذي يعني: "من الكثرة واحد"، ليس حقيقة منجزة لكنه مثال أعلى على الأميركيين إعادة استخلاصه دوماً. وحكاية شعوب أميركا الكثيرة المتنوعة، وصياغة دولة واحدة من هذه الشعوب تبقى قصة لم تسطر نهاية فصولها بعد وما زالت المثل العليا تولَّد فيها بشكل متواصل. وقد أصبح تنوعنا “pluribus” واضحاً اليوم أكثر من أي وقتٍ مضى، من خلال أعراقنا ووجوهنا، وموسيقانا من موسيقى الجاز وموسيقى القوّالين، وطبولنا الهاييتية وطبلاتنا البنغالية، ورقصات الهيب هوب ورقصات البنغرا، وجوقات الموسيقى المكسيكية وجوقات الموسيقى الإندونيسية، والمآذن الإسلامية وأبراج المعابد الهندوسية، وأبراج معابدنا المورمونية، وقبب غاردواراتنا المذهبة. وفي وسط مثل هذا التنوع، فان التعبير عن كوننا وحدة واحدة “Unum”سوف يقتضي أصواتاً جديدة أخرى كثيرة، يساهم كل منها بطريقته الخاصة.

إن تصوّر وجه أميركا في القرن الحادي والعشرين يتطلب قفزة خيالية. إنه يعني القدرة على رؤية الخريطة الدينية في الولايات المتحدة "من البحر إلى البحر البراق"، بكل ما تتسم به من تعقيد جميل.

المقالة أعلاه مقتبسة من كتاب "أميركا المتدينة الجديدة" تأليف ديانا إل. إيك، منشورات هاربر سان فرنسيكو، وهي فرع من شركة هاربر كولينز بابليشيرز إنك، حقوق النشر 2001 محفوظة لديانا إل. إيك. جميع الحقوق محفوظة.

الآراء المُعبّر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة وجهات نظر أو سياسات حكومة الولايات المتحدة.

  • الكلمات الرئيسية: