DCSIMG
Skip Global Navigation to Main Content
المطبوعات

القدوم إلى أميركا

17 حزيران/يونيو 2008

 

تيموثي كوريغان

حققت الأفلام الأجنبية مستوى عاليا من التميز والانتشار في الولايات المتحدة هذا العام، إلا أن علاقة السينما العالمية بالولايات المتحدة علاقة بدأت منذ فترة طويلة. ويتعقب المؤلف جذور هذه الظاهرة ويبحث أسباب "سينما اللهجات الأجنبية المتزايدة في أميركا". تيموثي كوريغان أستاذ للغة الإنجليزية ومدير الدراسات السينمائية بجامعة بنسلفانيا في مدينة فيلادلفيا وهو مؤلف عدة كتب، أحدثها كتاب "التجربة السينمائية" (2004)، الذي ألفه بالاشتراك مع الكاتبة باتريشا وايت.

ربما كانت أكثر الفقرات إثارة للاهتمام في حفلة توزيع جوائز الأوسكار التاسعة والسبعين، والتي أقيمت في شهر شباط/فبراير 2007، هو الترشيحات المتعددة لثلاثة أفلام مكسيكية: فيلم "بابل" للمخرج أليهاندرو غونزاليز إنياريتو، وفيلم "أطفال الرجال" للمخرج ألفونسو كوارن، وفيلم "متاهة بان" للمخرج غويليرمو ديل تورو. وحقيقة كون الفيلم الأخير من هذه الأفلام الثلاثة هو الوحيد الذي رُشح لجائزة أفضل فيلم أجنبي وكون عدة أفلام أجنبية أخرى رشحت لجوائز رئيسية أخرى، كترشيح الممثلة هيلين ميرين في الفيلم البريطاني "الملكة" والممثلة بينيلوبي كروز في الفيلم الإسباني "فولفر" لجائزة أفضل ممثلة، تشير إلى عالمية لا شك فيها في الأفلام التي قررت هوليوود تكريمها. ومن الأمور الأخرى التي تشير إلى الهجرة الأجنبية إلى حفلة توزيع جوائز الأوسكار في هوليوود في العام 2007 أن فيلم "رسائل من إيو جيما" لنجم التمثيل والإخراج الأميركي كلينت إيستوود، وهو فيلم رشح لجائزة أفضل فيلم وأفضل مخرج هذا العام، هو فيلم ناطق باللغة اليابانية أساسا.

من المؤكد أن المسافات الفاصلة بين الناس تقلصت في العالم الحديث الذي أصبح مألوفا بشكل أكبر لنا، وأن جاذبية السكان والمواقع الأجنبية الغريبة كالمناظر الطبيعية المنغولية في فيلم "قصة الجمل الباكي" (2003) ما زالت تهدف إلى استغلال الفضول التقليدي لدى مشاهدي الأفلام السينمائية حول الأماكن والشعوب الأخرى. إلا أن هناك قوى حقيقية ملموسة إلى حد أكبر وراء سينما اللهجات الأجنبية المتزايدة في أميركا.

مولد سوق عالمي

مهما كان تميز وانتشار مجموعة الأفلام الأجنبية هذا العام في الولايات المتحدة، فإن علاقة أميركا المعقدة مع الثقافات السينمائية الأخرى ليست جديدة على الإطلاق. فمنذ أول عرض سينمائي للجمهور في فرنسا في العام 1895، كان أحد المحركات الحيوية الأساسية في تاريخ السينما المواجهات والمفاوضات بين الثقافة السينمائية الأميركية وشركات الإنتاج السينمائي الأجنبية وأسواق صالات العرض السينمائي. وكان تأسيس شركة براءات اختراع الأفلام السينمائية في العام 1908، بقيادة توماس إديسون (الأميركي الذي اخترع كاميرا الصور المتحركة أو التصوير السينمائي) يهدف بوضوح إلى الحد من توزيع الأفلام الأجنبية في الولايات المتحدة. وفيما بعد، في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ومع تعاظم هيمنة صناعة السينما الأميركية في العالم، وصلت عولمة هوليوود إلى اقتصاد ألماني متدهور للتوصل إلى اتفاقية باروفاميت للعام 1926. وبناء على تلك الاتفاقية، اتفق استوديوها السينما الأميركية باراماونت ومترو-جولدوين – ماير والأستوديو الألماني أوفا ليس فقط على السماح لهوليوود بالوصول إلى أسواق العرض السينمائي الألماني، بل أيضا على فتح الباب أمام المواهب الألمانية للهجرة إلى الولايات المتحدة (بما في ذلك مايكل كيرتيز مخرج فيلم "الدار البيضاء" (كازابلانكا) والنجمة السينمائية السويدية غريتا غاربو).

ومع ازدياد امتداد الثقافة الأميركية وانتشارها بعد الحرب العالمية الثانية، أرست الأحكام القضائية المعروفة بقرارات باراماونت للعام 1948 الأساس الذي أدى تدريجيا وبشكل أساسي إلى تغيير اتجاه الثقافة السينمائية الأميركية وإلى ظهور المشهد السينمائي العالمي الراهن. وقد أدت هذه الأحكام القضائية في واقع الأمر إلى تفكيك السيطرة الاحتكارية لاستوديوهات هوليوود الرئيسية في السوق السينمائي الأميركي. ونتيجة لذلك، بدأ إنتاج الأفلام الأميركية المستقلة، ومن ثم الأفلام الأجنبية، خلال عقد الخمسينيات وأوائل عقد الستينيات، يشق طريقه إلى صالات العرض الأميركية. وجذبت هذه الموجة الجديدة من الأفلام الأجنبية بقيادة المخرج السويدي إنجمار بيرجمان والمخرج الفرنسي فرانسوا تروفو والمخرج الإيطالي مايكل أنجيلو أنتونيوني وغيرهم كثيرين، جذبت بشكل خاص شريحة ديموغرافية متنامية من المشاهدين الشباب والأكاديميين الأميركيين المهتمين بالتعرف على الثقافات الأخرى، إلا أن هذا الاهتمام انتشر خلال العقود التالية بين جمهور أميركي أوسع.

لقد أصبح اليوم لتوجهات التوسع العالمي لسوق هوليوود السينمائي عقب الحرب العالمية الثانية والانتشار والشعبية المتزايدة للسينما العالمية التي تلتها في أميركا أسسها المنطقية الاقتصادية والتكنولوجية المحددة. ولعل الشيء الأهم هو أن النمو المتزايد المعاصر للمهرجانات السينمائية الدولية أصبح واحدا من أكثر المحركات الحيوية وأكثرها لفتاً للانتباه في الإعلان عن الأفلام الأجنبية ودعمها في السوق العالمية، وخاصة في السوق الأميركية التي تدر أرباحاً كبيرة عبر العرض في صالات السينما ومبيعات أقراص الفيديو المدمجة .(DVD)

وقد ظهر أول مهرجان سينمائي إلى حيز الوجود، وهو مهرجان البندقية السينمائي الذي ما زال يتمتع بالأهمية والتأثير حتى اليوم، في العام 1932. أما اليوم فقد أصبحت دورة المهرجانات السينمائية، من كان وبرلين إلى تورونتو وتيلورايد (بولاية كولورادو) تقدم ما يتراوح بين 400 وألف حدث في مدن منتشرة حول العالم، هي السبيل الذي تنطلق منه أفلام مثل الفيلم الإيطالي "الحياة جميلة" (1998) والفيلم الألماني "أركضي يا لولا أركضي" (1998) إلى الأسواق السينمائية العالمية بعد حصولها على جوائز في هذه المهرجانات. وكما أن مهرجان البندقية السينمائي الأصلي كان يهدف إلى تشجيع ثقافته والثقافات القومية الأخرى عن طريق الأفلام السينمائية، فإن المهرجانات السينمائية الحالية أصبحت سبلاً لإطلاع المشاهدين على ثقافات خارج دور السينما الوطنية وهوليوود، وأدوات لقياس الاهتمام الناقد العالمي النطاق، وعاملاً يجذب في الوقت نفسه التمويل والتوزيع للأفلام الصغيرة الأكثر إبداعا في الكثير من الأحيان.

وتقدم السينما الإيرانية والكورية المعاصرة مثالين على ذلك. ففيلم "مذاق الكرز" للمخرج الإيراني عباس كياروستامي لم يلق دعما أو شعبية تذكر في إيران، ولكن فوزه بالجائزة الكبرى في مهرجان كان في العام 1997، فتح الطريق أمام فيض من الأفلام الإيرانية المعاصرة للوصول إلى أوروبا والولايات المتحدة. وبعد أن فاز فيلم "الولد الكبير" (2003) للمخرج الكوري بارك تشان – ووك، الذي يعتبر مثالا على النجاح الكبير لأفلام "السينما المتطرفة الآسيوية"، بالعديد من الجوائز في مهرجانات سينمائية في هونغ كونغ وكان وستوكهولم، لم يجد طريقه فقط إلى صالات العرض السينمائية الفنية في الولايات المتحدة فحسب، وإنما أوصل مخرجه بارك إلى مجلة صحيفة نيويورك تايمز. ويعود الفضل في حصول أفلام المخرج الصيني هو هسياو – هسيين (كفيلم "محرك الدمى" في العام 1993 وفيلم زهور شنغهاي في العام 1998) على دعم مالي وبالتالي انتشارها في الولايات المتحدة، إلى تقدير المهرجانات السينمائية لأعماله. وعندما فاز الفيلم البرازيلي "المحطة المركزية" (1998) للمخرج والتر ساليس بجائزة في مهرجان صندانس السينمائي، أصبح مستقبله في أميركا فجأة أكثر إشراقا.

مراعاة ذوق جماهير المشاهدين

هناك عامل مهم ثان مرتبط بهذه الموارد الجديدة للتعريف بالأفلام الأجنبية والترويج لها والتحدث عنها ساعد هو أيضاً في تحقيق انتقالها إلى الولايات المتحدة: وهو الشعبية والربحية المتناميتين منذ العام 1990 لما يعرف بالسينما المستقلة الجديدة وقدرة الأفلام القادمة من الخارج على الاستفادة من هذه الحركة. وبدعم من توزيع (ثم في وقت لاحق إنتاج) شركات مثل ميراماكس، قدّمت أفلام من إخراج كوينتين تارانتينو وجيم جارموش للمشاهدين قصصا وأساليب تختلف عن الكثير من الصيغ السينمائية المألوفة المكررة في هوليوود. ومع استمرار تعاظم هذا التذوق للأفلام الغريبة والمتميزة والجديدة عبر عقد التسعينيات، تعلمت هذه الشركات كيف تكتشف (عن طريق دائرة المهرجانات السينمائية عادة) وتستورد، وأحيانا، تعيد إعداد وتقديم الأفلام الأجنبية التي تستهدف جمهورا معينا من المشاهدين. وسجلت أفلام مثل "لعبة البكاء" (1992) و"إل بوستينو" (1994) أرقاما قياسية جديدة على شباك التذاكر بالنسبة لإيرادات الأفلام الأجنبية في دور السينما الأميركية. وقدّم فيلم "لعبة البكاء" نموذجا يحتذى على الحملات الدعائية التي حوّلت فيلما بريطانيا عن إرهابي في الجيش الجمهوري الإيرلندي حقق نجاحاً محدوداً فقط في بريطانيا إلى فيلم ضخم الميزانية والإيرادات يدور حول الجنس والأسرار.

وإثر النجاح الذي حققته شركات مثل ميراماكس، لم يكن من المستغرب أن تقوم استوديوهات السينما الأميركية الرئيسية بإنشاء (أو إعادة إنشاء) "أقسامها السينمائية المتخصصة" لاكتشاف وتوزيع الأفلام المستقلة والأجنبية. وأحد هذه الأقسام، على سبيل المثال، سوني بكتشرز كلاسيكس، يوزع حاليا فيلم الكاراتيه الغرامي "منزل الخناجر الطائرة" (2004) للمخرج جانغ ييمو، وفيلم التشويق الإسباني غير العادي "فولفر" (2006) للمخرج بيدرو ألمودوفار، وفيلم الإثارة الفرنسي/النمساوي/الألماني "كاشي" (2005) للمخرج مايكل هانيكي. وتقدّم شركة أخرى هي فوكس سيرتشلايت (التابعة لفوكس للقرن العشرين) أفلاما ناجحة جدا مستوردة من بريطانيا مثل "حوّلها مثل بيكهام" (2002) و"ملاحظات حول فضيحة" (2006).

وقد أصبحت الأفلام المعاصرة، كمبتكر لهذه الاتجاهات وكنتيجة تمخضت عنها، بصورة متزايدة، إنتاجاً مشتركاً بين طائفة من الشركات العالمية، بحيث يبشر كل استثمار بتوزيع محتمل أوسع حول العالم وفي الولايات المتحدة. والإنتاج السينمائي المشترك ليس شيئا جديداً، وهو يتيح للشركات الأميركية في كثير من الأحيان المشاركة في الأفلام الأجنبية منذ بداية إنتاجها ويضمن في بعض الأحيان صدور نسخة للفيلم ناطقة باللغة الإنجليزية في الولايات المتحدة. ويشجع الإنتاج والتمويل المشترك، مثله في ذلك مثل اتفاق باروفاميت في العام 1926،على التشارك في المخرجين والمنتجين والفنيين والنجوم مثل روبرتو بنيني وأنغ لي وغويليرمو ديل تورو ورتغر هاور وبينيولوبي كروز ومايكل بولهاوس. ويأتي مع هذا التلقيح بالمواهب الأجنبية المشتركة مزيد من المزج بين الأنواع والحبكات السينمائية، التي يمكن تمييزها بسهولة على أنها، إن لم تكن أميركية حصرا، فهي "عالمية" على الأقل من حيث أنها كُيفت لتلائم أذواق الأميركيين – كفيلم "لا فام نيكيتا" (1990) للمخرج لوك بيسون، وهو فيلم بوليسي يجمع بين الإثارة والجريمة وسرعة الأحداث والمغامرات.

وهذا لا يعني، وأنا أصرّ على ذلك، أن الأفلام الحديثة القادمة من الخارج عمدت، ببساطة، إلى التكيف مع الأنواع السينمائية الأميركية، بل على العكس، إذ لا يقل عن ذلك أهمية تقديم صناعات السينما الوطنية الأخرى لجماهير السينما الأميركية أنواعا جديدة من القصص والشخصيات خارج صيغ هوليوود المألوفة. ومن الصعب أن نتخيل فيلم "اصطدام" (2005) الفائز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أو موقف النقاد منه من دون فيلم "أموريز بيروز" (2000) الأكثر جرأة والذي صدر قبله للمخرج إنياريتو.

التوزيع الرقمي

هناك عامل أخير ومعاصر بشكل خاص لعب دوراً في دخول اللهجات الأجنبية إلى السينما الأميركية وهو التلاقي الرقمي لإنتاج وتوزيع الأفلام السينمائية. ومع وجود الثورة الرقمية الحالية والمستقبلية تحولت الآن الحريات والفرص التي أتاحها توزيع أشرطة الفيديو المنزلية في عقدي السبعينيات والثمانينيات إلى فرص جديدة في التوزيع المعاصر لأقراص (DVD) والإنترنت. ومع أن مبيعات أشرطة الفيديو وأقراص (DVD) تجاوزت مبيعات شباك التذاكر منذ مدة طويلة، فإن ما يفوت الكثيرين في أحيان كثيرة في هذا التحول هو كون سوق أشرطة الفيديو وأقراص (DVD) أوجدت سوقا أكثر استهدافا وأكثر انفتاحا لتوزيع الأفلام الأجنبية. وإذا كان معظم الأفلام الأجنبية لا يُعرض إلا نادرا في دور السينما (باستثناء دائرة دور السينما الفنية)، فإن توسع أشرطة الفيديو المنزلية عن طريق توسع تكنولوجيا أقراص (DVD) يزيد عدد الأفلام الأجنبية المتوفرة لجميع المشاهدين، ولعل الأهم من ذلك أنه يتيح للموزعين تركيز أقراص (DVD) على مجتمعات محلية ذات اهتمامات خاصة بالسينما الآسيوية أو الأوروبية أو الإفريقية، فتستهدفها تلك الأقراص على سبيل المثال.

والسينما الهندية، أفلام بوليوود، مثال ممتاز بشكل خاص على ذلك. وقد كان من الممكن مشاهدة الفيلم الهندي "العروس والتعصب"، الذي يعيد تقديم رواية جين أوستن "الكبرياء والتعصب"، في دور سينما غير رئيسية تعرض أفلاماً أجنبية في جميع أنحاء الولايات المتحدة في العام 2004. وتميزت أفلام المخرجة ميرا نير الحديثة، بما في ذلك فيلم "زفاف الرياح الموسمية" (2001)، بنجاح فني وتجاري في الولايات المتحدة خلال الخمس عشرة سنة الماضية. ومع ذلك، فإن الحصول المتوفر والمستمر إلى حد كبير على طائفة غير محدودة من الأفلام الهندية والأجنبية الأخرى عن طريق استئجار أشرطة الفيديو في الحي الذي يعيش فيه الأشخاص أو عن طريق الإنترنت، هو الذي يضمن الحديث باللهجات الأجنبية عن الأفلام السينمائية في أميركا. وبفضل وجود خدمات اشتراك مثل نيتفليكس تقدم خيارات أسهل وحتى أكثر عالمية للأفلام، وهو ما سيسهله تحميل الأفلام الحتمي عن طريق الإنترنت في المستقبل القريب، فإنه من الصعب أن نقاوم اليوم الميول الرومانسية والمثالية إلى اعتبار الأفلام مرة ثانية، كما كان الأمر في العام 1895، حواراً متعدد اللغات في منازلنا ومجتمعاتنا المحلية، إن لم تكن لغة إسبرانتو العالمية.

الأفكار المعبر عنها في هذا المقال لا تعكس بالضرورة آراء أو سياسات الحكومة الأميركية.

 

  • الكلمات الرئيسية: