DCSIMG
Skip Global Navigation to Main Content
المقالات

مناظرات حامية وتسويات صعبة رافقت عملية وضع الدستور الأميركي

بقلم ستيفن كوفمان | المحرر في موقع آي آي بي ديجيتال | 22 حزيران/يونيو 2012
نسخة جورج واشنطن من أعمال المؤتمر الأول - أسوشييتد برس إيميجيز

يمكن رؤية توقيع جورج واشنطن في الزاوية العليا من نسخته الشخصية لأعمال المؤتمر الأول (1789)، التي تحتوي الدستور الأميركي وشرعة الحقوق المقترحة.

واشنطن – في ظل الانقسامات الجغرافية والسياسية، والجيوش التي لم تُدفع رواتب أفرادها، والاقتصاد الضعيف الذي بدأ للتو يتعافى من سنوات الحرب والحظر المفروض على التجارة، شكل استنباط صيغة جديدة للحكم تحديًا هائلاً.

كان هذا هو الوضع الذي واجه الولايات المتحدة في عام 1787، بعد انقضاء أربع سنوات على تحقيق الاستقلال عن بريطانيا العظمى.

"فوضى وارتباك"

تركت مواد الاتحاد الكونفدرالي للولايات المتحدة عام 1781 معظم السلطات، بما في ذلك سلطة فرض الضرائب وتنظيم التجارة، بيد الولايات الثلاث عشرة التي كانت تعمل كبلدان مستقلة تقريبًا، حتى إلى درجة الانخراط في حروب تجارية فيما بينها.

عند انتهاء الحرب الثورية الأميركية عام 1783، لم يكن للحكومة القومية أي رئيس وكانت تتألف من كونغرس بمجلس واحد، يقوم بتنسيق الشؤون المشتركة كالأمن. أثبت هذا النظام عن عدم كفاءته لأنه لم يكن بوسع الكونغرس جمع الضرائب أو فرض تطبيق القوانين.

وبغية تمويل الخزينة القومية والإنفاق على القوات العسكرية الدائمة، اعتمد الكونغرس على مدفوعات لا يمكن الاعتماد عليها من الولايات الثلاث عشرة. وبدون توفر الأموال الكافية لدعم القوات العسكرية بشكل ملائم، كان المجلس التشريعي القومي عاجزًا عن التعامل مع حالات، مثل التعديات على الأراضي من جانب بريطانيا العظمى وإسبانيا، اللتين كانت أراضي مستعمراتهما تحيط بالولايات المتحدة.

عُقد مؤتمر في أنابوليس بولاية مريلاند، في 11 أيلول/سبتمبر 1788، لمناقشة التجارة بين تلك الولايات، لكنه دعا بدلاً من ذلك إلى عقد اجتماع موسع لمندوبي الولايات في فيلادلفيا عام 1787 من أجل "استنباط نصوص، كما تستدعي الضرورة، لجعل دستور الحكومة الفدرالية فعالا لتلبية الحاجات الماسة للاتحاد."

تم تسليط الأضواء على خطورة الوضع في كانون الثاني/يناير 1787 عندما اندلعت ثورة الشاي، التي حمل خلالها السلاح 2000 محارب ممن شاركوا في الحرب الثورية واستولوا على ترسانة أسلحة في ولاية ماستشوسيتس للاحتجاج على الضرائب المرتفعة وخسارة مزارعهم بسبب الديون المتراكمة عليهم.

هذه الثورة، التي أبرزت مدى ضعف الحكومة المركزية وافتقارها لجيش دائم، أثارت قلق العديد من القادة الأميركيين، ومن ضمنهم القائد الثوري جورج واشنطن، الذي كتب آنذاك، "ما لم يتم تطبيق علاج سريع، سوف تنشأ حالة من الفوضى والارتباك لا يمكن تجنبها."

المؤتمر الدستوري

في 25 أيار/مايو 1787، اجتمع المندوبون في فيلادلفيا ورشحوا واشنطن لرئاسة المؤتمر الدستوري. عزز وجود واشنطن، البطل القومي المحبوب، شرعية المؤتمر، وهي من بين الاعتبارات الرئيسية لأن المندوبين قرروا إبقاء مناقشاتهم سرية كي يتمكنوا من التحدث بصراحة خلال استنباطهم وثيقة جديدة تحل محل مواد الاتحاد الكونفدرالي.

لم يُسمح للنساء أو السود المحررين أو الرجال من غير ذوي الملكية المشاركة في المؤتمر، واختارت ولاية رود آيلاند عدم إرسال مندوبين. كان معظم المندوبين محامين أو مزارعين أو تجارًا لديهم سياسات وأجندات عمل مختلفة.

شكلت النزاعات والتسويات الصفة المميزة للعملية الدستورية، التي استمرت أربعة أشهر تقريبًا. وعند إحدى النقاط، حينما وصلت المناظرات إلى طريق مسدود، كتب واشنطن يقول: "إنني على وشك اليأس من رؤية نهاية ايجابية لعمليات المؤتمر، ولذلك يتملكني الندم لأنني توسطت في العملية."

خلال المناقشات، أيّدت الولايات الكبيرة التمثيل التشريعي المستند إلى حجم السكان في حين ناصرت الولايات الأصغر حجمًا يمثل تخصيص عدد متساوٍ من المندوبين لكل ولاية.

وفي حزيران/يونيو 1787، عندما ناقش أعضاء المؤتمر اقتراحًا قدمه جيمس ماديسون من ولاية فرجينيا دعا فيه إلى إنشاء مجلس تشريعي مؤلف من مجلسين مع وجود ممثلين للولايات في المجلسين يتم تحديدهما وفقًا لعدد السكان، هددت الولايات الأصغر حجمًا ليس فقط بحل المؤتمر بل والاتحاد نفسه.

وبعد انقضاء شهر واحد، قدم روجر شيرمان من ولاية كونتيكيت حلاً وسطًا حيث يكون لكل ولاية صوت واحد في مجلس الشيوخ، في حين يحدد عدد السكان عدد ممثلي كل ولاية في مجلس النواب. يعزو الكثيرون فضل هذا الاقتراح في إنقاذ الدستور الأميركي.

يقول المؤرخ روبرت ميدلكوف في كتابه "القضية المجيدة" (1982، مطبعة جامعة أوكسفورد) بأن المؤتمر "ولّد قوته الذاتية، وبصورة رئيسية من خلال النقاش والجدل. وفي جميع هذه المداولات، كان للعقل والفكر تأثيرهما، تمامًا مثل اللاعقلانية والعواطف الجامحة للمصادفات والصدف والحوادث العرضية."

كما اختلف المندوبون أيضًا حول كيفية اختيار الممثلين وفترة توليهم لمناصبهم. وضع النقاش أولئك الذين كانوا يرتابون من قدرة الناس العاديين على اتخاذ خيارات حكيمة مقابل أولئك الذين يعتزون بمبادئ المساواة بين الناس.

وكحل وسط، قرر المؤتمر أن مجلس النواب الأكبر حجمًا، مع ممثليه الذين يتم تحديد عددهم استنادًا إلى التوزيع السكاني، سوف يضم أعضاء ينتخبهم الناس مباشرة للخدمة لفترة سنتين. أما أعضاء مجلس الشيوخ الأصغر حجمًا، فيجري تعيينهم من قبل المجالس التشريعية في الولايات ويخدمون لفترة ست سنوات. (في عام 1913، بعد عدة سنوات من تلاشي الهواجس بالنسبة لكفاءة الناخبين، سمح تعديل للدستور بانتخاب أعضاء مجلس الشيوخ مباشرة).

وعلى الرغم من المناظرات المريرة والمواقف التي بدت وكأنها غير قابلة للتسوية، كتب ميدليكوف يقول بأن المندوبين كانوا في نهاية المطاف "يتمتعون بخيال واسع جدًا ليسمحوا لمثل تلك الفرصة أن تمر بدون النظر مجددًا في الانقسامات الكبيرة بينهم.

وذكر في كتاباته بأنهم "كانوا رجالاً معتزين بأنفسهم، ومن المحتمل أن بعضهم كان يعتقد أن باستطاعته تغيير رأي المعارضين. وفي أية حال كان الجميع تقريبًا يخشون من الفشل - وكانوا يرون الفشل ماثلاً أمامهم. لم يكن لديهم أي خيار سوى مناقشة خلافاتهم.

التصديق

بعد انقضاء أشهر على المناظرات والجدل، وقّع المندوبون بالإجماع على الوثيقة النهائية في 17 أيلول/سبتمبر 1787، واستكملوا بذلك الخطوة الأولى لإنشاء شكل جديد من الحكم. ولأن الوثيقة كانت تحتاج إلى تصديق ثلاثة أرباع الولايات الثلاث عشرة (تسع ولايات)، انتقلت المناظرات من فيلادلفيا إلى المجالس التشريعية في الولايات.

كان بروز معارضة للوثيقة الجديدة أمرًا طبيعيًا في مجتمع خرج للتو من حرب خاضها لتحقيق تمثيل منصف وكان لا يثق أبدًا بأي شكل من أشكال السلطة المركزية. كتب ميدليكوف، "في مواجهة تغيير رئيسي في ترتيبات نظام الحكم، كان من المحتمل أن يخون الثوار أنفسهم وإنجازاتهم الأخيرة فيما لو لم يطرحوا أسئلة حول التغيير."

حاربت المعارضة التصديق من خلال انتخاب مندوبين مناهضين للدستور في المجالس التشريعية للولايات كما من خلال إصدار منشورات تنتقد فيها غياب الحماية للحريات الفردية، كحرية التعبير والدين والمحاكمة أمام هيئة محلفين.

وكتب آخرون دفاعًا عن الدستور، مثل ألكسندر هاملتون وجون جاي وجيمس ماديسون، حججًا مضادة، تعرف الآن بالأوراق الفدرالية، سعوا من خلالها إلى شرح كيفية عمل النظام الجديد وطمأنة الأميركيين بأن حرياتهم سوف تكون محمية بموجب النظام الفدرالي الجديد.

في 7 كانون الأول/ديسمبر 1787، أصبحت ديلاوير أول ولاية تصادق على الدستور، ولكن أعمال الشغب انفجرت في كارلايل بولاية بنسلفانيا بعد مرور أيام قليلة، وفي آذار/مارس 1787 رفضت ولاية رود آيلاند التصديق عليه.

وفي نهاية المطاف، وعلى الرغم من المناظرات الحامية طوال العام 1788 من جانب الوطنيين الأميركيين على جانبي المسألة، سيطر مناصرو الدستور في معظم المجالس التشريعية في الولايات ودخل الشكل الجديد للحكم حيز التنفيذ في 4 آذار/مارس 1789.

وثيقة ديناميكية

كان الدستور الأميركي منذ ولادته، وثيقة ديناميكية يجري تعديلها لتلبية الاحتياجات المتغيرة للبلاد مع المحافظة على المبادئ الأساسية. وبدءًا من شرعة الحقوق عام 1789، التي ضمت أوائل التعديلات الدستورية العشرة، تم تعديل الدستور الأميركي 27 مرة بإدخال تعديلات عليه تراوحت بين إلغاء العبودية ومنح حقوق التصويت للرجال والنساء بعمر 18 عامًا.

كتب ميدلكوف أن المناظرات الدستورية خلال صيف 1787 "حلت مشكلة السلطة" في أميركا ما بعد الثورة. وعلى الرغم من أنه تمّ تقوية الحكومة القومية، اعتقدت الولايات، ومن ضمنها الولايات الأصغر حجمًا، أنها سوف يكون لها يد في ممارسة السلطة.

وكذلك، فإن المؤتمر والدستور الذي نتج عنه "حصر السلطة"، الأمر الذي اعتبر بأنه تهديد للفضيلة والحرية. وشدد، ميدلكوف بأن حصر السلطة هدف إلى إحباط استبداد الأغلبية، ولكنه لم ينكر أن السيادة تكمن في يد الشعب."

واختتم أنه في نهاية الأمر أنشأ الدستور الجديد حكومة "بدت بأنها قادرة على كبح بعض أسوأ نزوات الإنسان، ولا سيما دوافعه الفطرية للهيمنة على الآخرين."

لمزيد من المعلومات، أنظر الخطوط العريضة للنظام القانوني الأميركي.

القاعة المستديرة في مبنى الأرشيف القومي - أسوشييتد برس إيميجيز

مخطوطة أصلية لدستور الولايات المتحدة معروضة في القاعة المستديرة في مبنى الأرشيف القومي في واشنطن.