واشنطن- عندما كتب المؤلف البريطاني لويس كارول قصة "أليس في بلاد العجائب" عام 1885، سخِر من عملية سياسية أميركية مبتكرة عندما وصفها بـ"سباق الكوكوس" أو "سباق المؤتمر الحزبي". لكن لم يكن لذلك السباق، الذي نظمه "طير الدودو" المنقرض في القصة، أية قواعد منطقية. فعند صدور إشارة الانطلاق، تنطلق مجموعة متشرذمة من الحيوانات لتعدو باتجاهات مختلفة. وعندما يعلن الدودو عن انتهاء السباق، يسأله المتنافسون، "ولكن من الذي فاز؟" فيجيب، بعد تفكير ملي، "لقد فاز الجميع. ويجب أن يحصل الجميع على جوائز."
قد يبدو المؤتمر الحزبي في أميركا للمراقب الخارجي سخيفاً مثل سباق المؤتمر الحزبي في قصة كارول. إذ يقول الدودو لأليس: "إن أفضل طريقة لشرحه هي عمله". وفي الواقع، فإن كل ما تعنيه المؤتمرات الحزبية هي االعمل، أي "التنازل عن الوقت الخاص، والتحدث، واتخاذ القرار، وإعادة ترتيب الولاءات عندما يفشل مرشح مفضل في الحصول على الدعم الكافي كي يحصل على "فرصة معقولة للنجاح".
تأتي عبارة "المؤتمر الحزبي" من كلمة "كوكوس" الهندية الأميركية التي تعني اجتماع زعماء القبائل، وتشير بالأساس إلى اجتماع الحي. أما في السياسة الانتخابية الأميركية، فتكون الأحزاب السياسية هي القبائل ويكون النشطاء الحزبيون والمواطنون المهتمون هم زعماء القبائل. وسوف تكون ولاية أيوا، في 3 كانون الثاني/يناير من العام 2012 هي الأولى من بين 21 سلطة قضائية (ولايات ومناطق) ستعقد مؤتمرات حزبية لاختيار المرشح الرئاسي الذي سوف تدعمه ولاياتهم في المؤتمرات السياسية العامة القومية التي ستقام خلال عام 2012.
يستخدم معظم الولايات أسلوب الانتخابات التمهيدية الأكثر مباشرة، أي يصوت المواطنون ويفوز بالترشيح المرشح الذي يحصل على أكبر عدد من الأصوات.
والمؤتمر الحزبي هو أحد تلك الطقوس السياسية الممكن أن تسبب الارتباك، ويشكل في تنافسه مع الهيئة الانتخابية أغرب الممارسات السياسية الأميركية. وكلاهما يعود إلى الأيام الأولى لتأسيس الدولة، أي قبل ظهور الانتخابات التمهيدية في أوائل القرن العشرين. كما أن إجراءات المؤتمرات الحزبية هي مختلفة بين ولاية وأخرى وبين حزب وآخر.
أما العنصر المشترك في جميع المؤتمرات الحزبية فهو "الكلام". يجتمع المؤيدون لدعم مرشحهم ولإقناع الآخرين بأن يحذوا حذوهم. يقول ديفيد ردلوسك، أستاذ العلوم السياسية ومدير مركز استطلاعات "هوكاي" في جامعة أيوا، "إن الديمقراطيين ينظمون مؤتمراتهم الحزبية ويختارون مرشحيهم علناً، في حين يُجري الجمهوريون تصويتاً سرياً. ويجب على الديمقراطيين أن يكونوا مستعدين للتصريح علناً عن المرشح الذي يفضلونه، وهو أمر غير اعتيادي في السياسة الأميركية". وتتعقب استطلاعات "هوكاي" مدى تقدم كل من المرشحين للرئاسة قبل انعقاد المؤتمرات الحزبية.
واليوم، بإمكان الأم العاملة أن تشارك في مؤتمر حزبي إلى جانب ناشط في الحزب، ولكن لم يكن الأمر كذلك دائماً. استناداً إلى كاري كوفينغتون، وهو خبير آخر في الانتخابات في جامعة أيوا، كان مديرو الحزب هم الذين يقررون من يرشحون أصلا و"عندما أصبحت الأحزاب هي اللاعبة السياسية الرئيسية المترسخة في العشرينيات والثلاثينيات من القرن التاسع عشر، كانت تنظر الى نفسها وكأنها تعمل نيابة عن الشعب بدلاً من قيام أفراد الشعب بالعمل بأنفسهم". واعتبرت الأحزاب الترشيحات على أنها "شأن تنظيمي خاص وأن الناخبين لا علاقة لهم بالفعل بهذا الأمر إلاّ عند إجراء الانتخابات العامة."
ويؤكد كوفينغتون أن كل ذلك تغير في العام 1972 عندما طالب الحزب الديمقراطي بأن تكون وفود الولايات ممثلة للعدد السكاني من الناخبين. ويوضح كوفينغتون ذلك بالقول، "أدى تمثيل المجموعات التي كانت مستثناة في السابق إلى جعل هذه العملية عامة ومنفتحة أكثر". وسرعان ما حذا الحزب الجمهوري حذو الحزب الديمقراطي، وأصبحت المؤتمرات الحزبية في الولايات ديمقراطية في عملها.
هذا مثال واحد على الكيفية التي تطورت بها المؤسسات السياسية الأميركية لتعبر عن أصوات الشعب، وهي عملية لم يكن منصوصا عليها في الدستور. فقد كان الآباء المؤسسون حريصين على حماية تلك الديمقراطية الناشئة. ويقول كوفينغتون، "لم يكن قادة دولتنا يثقون بالمواطنين العاديين. فقد كانوا يخشون من أن يكونوا ميالين للعمل وفق انفعالات متهورة بدلاً من اتباع الحسابات المنطقية".
يتفوق الديمقراطيون على الجمهوريين من حيث تعقيد مؤتمراتهم الحزبية. ولشرح ذلك بأسلوب بسيط، يستخدم المؤتمر الحزبي الديمقراطي التمثيل النسبي. ولا يعتبر إلا المرشحين الذين يتجاوزون نسبة 15 بالمئة من التأييد بأن لهم فرصة معقولة للنجاح. ويعيد مؤيدو الخاسرين "ترتيب صفوفهم" – وهي مرحلة يصفها ريدلوسك، الذي سبق وشغل منصب رئيس المؤتمر الحزبي الديمقراطي، بأنها تكون "حيوية."
ويتابع قائلاً، "يحصل الكثير من النقاش، والكثير من محاولات الضغط لإقناع بعضهم البعض، ويمكن أن تحاول المجموعات التي لا تتوقع النجاح إدخال أشخاص آخرين لتحصل على فرصة معقولة للنجاح، كما تهاجم مجموعات أخرى الأشخاص الذين لا يتوقع لهم النجاح". ويجتمع المؤيدون شخصياً لإحصاء الاصوات في الأركان المختلفة من القاعة المخصصة لمرشحيهم.
تتطلب المؤتمرات الحزبية التزاماً بقضاء وقت طويل فيها. ويذكر ريدلوسك أن " الذين يشاركون فعلاً في المؤتمر الحزبي يكونون على الأرجح أكثر الناخبين وعيا ومعرفة بالسياسة في البلاد". ويعتمد معظم المؤتمرات الحزبية الديمقراطية التمثيل النسبي، بينما تميل مؤتمرات الحزب الجمهوري إلى استخدام طريقة الاقتراع.
بدأ المؤتمر الحزبي في أيوا لأول مرة عام 1846، ولكنه لم يتحول الى مؤشر متقدم لنتائج الانتخابات حتى السبعينيات من القرن العشرين بعد تقديم تاريخه لجعله "الأول في البلاد". أطلق جيمي كارتر، الرئيس التاسع والثلاثون للبلاد، حملة انتخابية شاقة هناك مستخدماً أيوا كنقطة انطلاق لتحقيق النجاح. إلا أنه على الرغم من الدعاية الحالية في وسائل الإعلام والحملات الإعلامية الحزبية، لا يعتبر المؤتمر الحزبي مؤشراً حقيقياً يعكس أفضليات الناخبين. إذ تكون نسبة المشاركة في المؤتمر الحزبي منخفضة عادة، ويكون المشاركون هم أكثر أعضاء الحزب تحمساً. ويشرح ريدلوسك ذلك قائلاً، "إنها ليست انتخابات عامة للجميع. بل هي عمليات خاصة بالحزب لتحديد من سيمثله."
ويخلص ريدلوسك الى أن المؤتمر الحزبي في أيوا يغربل مجموعة المرشحين "وما لا يفعله بالضرورة هو التكهن بمن سيفوز بالفعل في نهاية المطاف. وبهذا يستطيع المؤتمر التخلص من المرشحين الخاسرين. أما بالنسبة لأولئك الذين يستمرون في الحملة بعد أيوا، فإن نتيجة السباق تبقى في طي الغيب."

